أغرب القوانين التي عرفتها الحضارات القديمة

أغرب القوانين التي عرفتها الحضارات القديمة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

أغرب القوانين التي عرفتها الحضارات القديمة

عندما كان القانون يكشف ما تخشاه المجتمعات القديمة أكثر مما يكشف ما تحبه

image about أغرب القوانين التي عرفتها الحضارات القديمة

مقدمة: حين يصبح القانون نافذة على عقل الحضارة

لو أردنا أن نفهم مجتمعًا قديمًا دون أن نعيش فيه، فربما لا توجد وثيقة أكثر كشفًا من القانون.

فالقانون لا يخبرنا فقط عما كان مسموحًا أو ممنوعًا، وإنما يكشف بصورة غير مباشرة عمّا كانت السلطة تخشاه، وما الذي كان المجتمع يعتبره تهديدًا للنظام، ومن كان يمتلك القوة، ومن كان يحتاج إلى الحماية، وكيف كان الناس يفهمون الملكية والأسرة والجريمة والعقوبة والعدالة.

ولهذا تبدو بعض القوانين القديمة غريبة جدًا بالنسبة إلى الإنسان المعاصر. فهناك أحكام تتعامل مع الديون بمنطق شديد القسوة، وأخرى تنظم تفاصيل تتعلق بالدفن والميراث والعلاقات الأسرية، وأخرى تحمل المسؤولية المهنية إلى نتائج تبدو لنا اليوم صادمة.

لكن المشكلة تبدأ عندما نقرأ هذه القوانين باعتبارها مجرد «طرائف تاريخية».

فالقانون القديم لم يكن دائمًا قانونًا بالمعنى الحديث؛ بل كان جزءًا من منظومة أوسع تضم العرف والدين والسلطة السياسية والبنية الطبقية. كما أن وجود قاعدة مكتوبة لا يعني بالضرورة أنها كانت تُطبق حرفيًا في كل زمان ومكان.

ومن أشهر الأمثلة على ذلك قانون حمورابي، الذي يمثل مصدرًا بالغ الأهمية لدراسة المجتمع البابلي، لكنه ليس «أول قانون في التاريخ» كما يُقال أحيانًا؛ فقد سبقه تقليد تشريعي أقدم في بلاد الرافدين، ومنه قانون أور-نمو. كما أن المصادر القانونية في بلاد الرافدين تشمل عقودًا وأحكامًا قضائية ووثائق عملية إلى جانب النصوص التشريعية.

إذن، فإن غرابة القوانين القديمة ليست مجرد غرابة في العقوبة، وإنما غرابة في العالم الذي أنتج هذه القوانين.


image about أغرب القوانين التي عرفتها الحضارات القديمة

المحور الأول: قانون حمورابي... عندما تصبح العدالة مرتبطة بالمكانة الاجتماعية

يُعد قانون حمورابي من أشهر النصوص القانونية في تاريخ العالم القديم، ويتكون النص التقليدي المتداول من مجموعة كبيرة من الأحكام التي تناولت قضايا متنوعة، مثل الملكية والزراعة والتجارة والأسرة والديون والأجور والمسؤولية المهنية والجرائم.

ومن أكثر الأمور إثارة للانتباه فيه أن مفهوم العدالة لم يكن قائمًا على المساواة المطلقة بين جميع الأشخاص.

فالنص يعكس مجتمعًا هرميًا، وكانت بعض الأحكام تختلف بحسب المكانة الاجتماعية للأطراف. وتوضح الدراسات التاريخية للقانون البابلي أن المجتمع القانوني الذي يعكسه النص كان يميز بين فئات اجتماعية مختلفة، وهو أمر يختلف جذريًا عن المبدأ الحديث القائم على المساواة القانونية بين المواطنين.

ومن الأمثلة الشهيرة قاعدة «العين بالعين»، التي أصبحت لاحقًا من أكثر العبارات ارتباطًا بقانون حمورابي.

لكن قراءة هذه القاعدة باعتبارها دعوة بسيطة إلى الانتقام ستكون قراءة سطحية؛ فهي جزء من منظومة أوسع حاولت تحديد مقدار العقوبة أو التعويض في حالات محددة.

وهنا تظهر وظيفة مهمة للقانون القديم:

تحويل الانتقام الفردي إلى عقوبة تحددها قاعدة معروفة.

فبدل أن يقرر كل شخص بنفسه حجم الانتقام الذي يراه مناسبًا، يصبح هناك معيار قانوني مسبق.

لكن ذلك لا يجعل النظام «حديثًا» بالمعنى المعاصر؛ فالعدالة ظلت مرتبطة بالطبقة الاجتماعية والسلطة الأبوية وبنية المجتمع.

والأهم أن النص نفسه يقدم الملك بوصفه صاحب مهمة إقامة العدل وحماية الضعيف، وهو ما يكشف عن العلاقة الوثيقة بين التشريع والشرعية السياسية في العالم البابلي.


المحور الثاني: ماذا يحدث إذا انهار المنزل؟ قانون البناء الذي سبق عصره... بعقوبة صادمة

من أكثر أحكام قانون حمورابي شهرة تلك المتعلقة بالبناء.

فإذا بنى البنّاء منزلًا بصورة غير سليمة ثم انهار المنزل وأدى إلى وفاة صاحبه، كان القانون يفرض عقوبة شديدة على البنّاء، وتزداد قسوة الحكم في بعض الحالات عندما يكون المتضرر من أفراد الأسرة أو من طبقة اجتماعية معينة.

للوهلة الأولى يبدو الأمر أشبه بقانون حديث للمسؤولية المهنية، لكنه في الحقيقة يختلف عنه جذريًا.

فالمبدأ العام يبدو مألوفًا:

من يتولى عملاً قد يعرّض حياة الآخرين للخطر يتحمل مسؤولية عن جودة عمله.

لكن مفهوم المسؤولية في القانون البابلي لم يكن قائمًا على المعايير الهندسية الحديثة أو التأمين أو درجات الخطأ والإهمال كما هو الحال في النظم القانونية المعاصرة.

ومع ذلك، تكشف هذه القاعدة عن شيء بالغ الأهمية:

لقد أدركت المجتمعات القديمة أن العمل المهني ليس مسألة شخصية بالكامل.

فإذا كان الخطأ في صناعة شيء ما يمكن أن يهدد المجتمع، فإنه يصبح شأنًا عامًا.

ومن هنا يمكن النظر إلى قوانين البناء القديمة باعتبارها إحدى البدايات التاريخية لفكرة ستصبح لاحقًا شديدة الأهمية في المجتمعات الحديثة: المسؤولية المهنية.

لكن المفارقة أن الإنسان القديم كان يعالج هذه المسؤولية بأدوات قانونية شديدة القسوة، بينما أصبح الإنسان الحديث أكثر اعتمادًا على التعويضات والمعايير الفنية والتحقيقات المهنية.

وهنا نرى بوضوح أن تطور القانون لا يعني اختفاء فكرة قديمة، بل يعني أحيانًا إعادة صياغتها بأدوات جديدة.


المحور الثالث: عندما يصبح الاتهام نفسه جريمة

من أغرب جوانب قانون حمورابي تلك الأحكام التي تعاملت مع الاتهام وإثبات الجريمة.

ففي بعض الحالات، إذا اتهم شخصٌ آخر بجريمة خطيرة ولم يتمكن من إثبات اتهامه، كان يمكن أن يتعرض لعقوبة شديدة. وفي إحدى المواد الشهيرة، يظهر ما يعرف تاريخيًا بـ«اختبار النهر»، حيث كان المتهم يُلقى في النهر ضمن تصور يقوم على أن نتيجة الاختبار يمكن أن تكشف البراءة أو الذنب.

بالنسبة إلى الإنسان المعاصر، يبدو هذا الحكم صادمًا؛ لأن إثبات الجريمة اليوم يفترض أدوات مختلفة تمامًا من الأدلة والشهادة والخبرة والإجراءات القضائية.

لكن من الناحية التاريخية، ينبغي ألا ننظر إلى هذه الممارسة باعتبارها مجرد «خرافة غريبة».

إنها تكشف عن مشكلة واجهتها كل المجتمعات القديمة:

كيف يمكن الوصول إلى الحقيقة عندما تكون الأدلة محدودة؟

فالمجتمع الذي لا يمتلك علم الأدلة الجنائية، ولا المختبرات، ولا تقنيات البصمات والحمض النووي، يحتاج إلى وسائل أخرى للفصل في النزاعات.

وهنا يجب التمييز بين فهم الممارسة تاريخيًا وبين اعتبارها صحيحة علميًا.

فالمنظور التاريخي يسأل: لماذا ظهرت هذه الممارسة؟

أما المنظور العلمي الحديث فيسأل: هل تستطيع هذه الممارسة بالفعل إثبات الجريمة؟

وهذان سؤالان مختلفان تمامًا.

وهذه النقطة مهمة عند دراسة التاريخ عمومًا؛ لأن فهم معتقد قديم لا يعني تصديقه.


المحور الرابع: روما القديمة... عندما دخل القانون إلى غرفة النوم والبيت والمأتم

إذا انتقلنا إلى روما، نجد عالمًا قانونيًا أكثر تعقيدًا.

وتُعد الألواح الاثنا عشر من أهم النصوص المؤسسة في تاريخ القانون الروماني المبكر، ويرجع التقليد الروماني وضعها إلى منتصف القرن الخامس قبل الميلاد. وقد تناولت موضوعات متعددة، من الإجراءات القضائية والديون والملكية والميراث إلى السلطة الأسرية والدفن وبعض القواعد الدينية.

ومن أكثر ما يلفت النظر أن القانون لم يكن محصورًا في الجرائم بالمعنى الذي نفهمه اليوم.

فقد دخل إلى تفاصيل تتعلق بالأسرة والسلطة الأبوية والميراث والدفن.

وتظهر في النصوص المنسوبة إلى الألواح الاثني عشر قواعد شديدة القسوة بشأن الديون والسلطة الأبوية، كما نجد أحكامًا تحد من مظاهر معينة في الجنازات، بما في ذلك بعض صور البكاء والعويل والإنفاق على المراسم.

قد يبدو الأمر غريبًا:

لماذا يهتم القانون بطريقة الحزن على الموتى؟

لكن السؤال يصبح أقل غرابة عندما نفهم طبيعة المجتمع القديم.

فالجنازة لم تكن مجرد حدث شخصي؛ بل كانت حدثًا اجتماعيًا ودينيًا يمكن أن يرتبط بالمكانة والثروة وإظهار النفوذ.

ومن ثم، فإن تنظيم الجنازات يمكن أن يكون محاولة للحد من التفاخر الطبقي أو ضبط المظاهر العامة.

وهنا نكتشف أن القانون القديم كان يعمل أحيانًا باعتباره أداة لإدارة السلوك الاجتماعي، وليس فقط لمعاقبة المجرمين.


المحور الخامس: المرأة والأسرة... القانون يكشف الوجه الأبوي للمجتمع القديم

من أكثر المجالات التي تكشف اختلاف العالم القديم عن عالمنا الحديث: قوانين الأسرة.

ففي الألواح الاثني عشر، تظهر قواعد تعكس قوة السلطة الأبوية ونظام القرابة الذكورية، بما في ذلك أحكام تتعلق بالولاية على النساء والإرث والأسرة.

ولا ينبغي تحويل هذه النصوص إلى حكم شامل على «المرأة في العصور القديمة»، لأن العالم القديم لم يكن مجتمعًا واحدًا.

فالوضع القانوني للمرأة اختلف بشدة بين الحضارات، بل وبين الفترات التاريخية داخل الحضارة نفسها.

وهذه ملاحظة منهجية مهمة للغاية.

فعبارة مثل:

«المرأة في العالم القديم لم تكن لها حقوق»

هي عبارة شديدة التعميم ولا تصمد أمام التنوع التاريخي.

الأصح أن نقول إن كثيرًا من المجتمعات القديمة كانت ذات بنية أبوية واضحة، وأن الحقوق القانونية للمرأة تفاوتت وفق المجتمع والطبقة والمكان والفترة التاريخية ونوع الملكية والزواج.

وهنا تصبح دراسة القانون وسيلة لفهم بنية السلطة داخل الأسرة.

فمن يملك؟

من يرث؟

من يتولى شؤون القاصر؟

من يستطيع التعاقد؟

ومن يستطيع إنهاء الزواج؟

هذه الأسئلة القانونية تكشف في جوهرها سؤالًا أكبر:

من يمتلك السلطة داخل المجتمع؟


المحور السادس: الديون... عندما كان الفقر يتحول إلى مشكلة قانونية

ربما لا يوجد موضوع يكشف هشاشة الإنسان القديم أكثر من قوانين الديون.

فالاقتصاد القديم لم يكن يمتلك شبكات الأمان الاجتماعي الحديثة، وكان الدين قد يتحول إلى عبء يهدد مكانة الشخص وحريته وأحيانًا أسرته.

وتقدم الألواح الاثنا عشر مثالًا شديد القسوة على ذلك؛ إذ تتضمن تقاليد قانونية تسمح للدائن، بعد استيفاء شروط وإجراءات معينة، بإخضاع المدين لإجراءات قاسية بسبب عدم السداد.

وهنا يظهر وجه آخر للقانون:

القانون الذي يحمي الملكية يمكن أن يحمي صاحب المال على حساب المدين.

لكن هذا لا يعني أن القانون كان مجرد أداة لحماية الأغنياء؛ فوجود قواعد للديون يعني أيضًا محاولة وضع حدود وإجراءات للنزاع بدل ترك الأمر بالكامل للانتقام الشخصي.

المشكلة أن المجتمع القديم لم يكن يمتلك دائمًا المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية التي طورتها المجتمعات الحديثة حول الإفلاس وإعادة الهيكلة والحماية الاجتماعية.

وهكذا يكشف قانون الدين عن حقيقة إنسانية عميقة:

حين يكون الاقتصاد هشًا، يصبح القانون أحد أهم الأدوات التي تحدد من يتحمل تكلفة الفشل الاقتصادي.


المحور السابع: الطريق والحدود والأشجار... عندما يدخل القانون في تفاصيل الحياة اليومية

من المدهش أن بعض القوانين القديمة لا تتحدث عن الملوك والحروب والجرائم فقط، وإنما عن تفاصيل تبدو شديدة العادية.

في الألواح الاثني عشر، نجد مثلًا قواعد تتعلق بالطرق وحدود الأراضي والمياه والأشجار والممتلكات والجدران والملكية.

وهذا يكشف تحولًا بالغ الأهمية في تاريخ المجتمعات:

كلما أصبحت الملكية أكثر تعقيدًا، احتاج المجتمع إلى قواعد أكثر تحديدًا.

فماذا يحدث عندما يتدفق ماء من أرض إلى أرض أخرى؟

ماذا يحدث إذا تجاوز شخص حدود ملكيته؟

كيف تُحدد ملكية الأرض؟

من يتحمل مسؤولية الطريق؟

هذه ليست أسئلة فلسفية مجردة؛ إنها أسئلة تنشأ عندما يعيش عدد كبير من الناس في مساحة محدودة ويتعاملون مع موارد مشتركة.

ومن هنا يمكن القول إن جزءًا كبيرًا من تاريخ القانون هو تاريخ إدارة الاحتكاك بين المصالح الفردية.

فالجار يحتاج إلى حماية أرضه، وصاحب الأرض يحتاج إلى الماء، والتاجر يحتاج إلى ضمان العقد، والدائن يريد استرداد ماله، والمجتمع يريد الحفاظ على النظام.

كل هذه المصالح يمكن أن تتصادم.

وهنا يظهر القانون باعتباره محاولة لصناعة حدود منظمة للصراع.


المحور الثامن: هل كانت قوانين القدماء «غبية»؟ المشكلة في السؤال نفسه

من السهل جدًا أن نقرأ قانونًا قديمًا ونضحك من غرابته.

لكن هذه القراءة قد تكشف عن غرور معرفي أكثر مما تكشف عن فهم تاريخي.

فالإنسان القديم لم يكن يمتلك معرفتنا العلمية والمؤسساتية الحالية، لكنه كان يواجه مشكلات حقيقية تحتاج إلى حلول.

كيف يحفظ الملكية؟

كيف يمنع السرقة؟

كيف يحل النزاعات؟

كيف يضمن العقود؟

كيف ينظم الميراث؟

كيف يضبط الديون؟

كيف يحاسب صاحب المهنة؟

كيف يحافظ على النظام الاجتماعي؟

لقد قدم حلولًا مختلفة، بعضها قاسٍ وبعضها يبدو لنا غير عقلاني وبعضها يكشف عن أفكار قانونية متقدمة بالنسبة إلى سياقه التاريخي.

وهنا ينبغي أن نفرق بين مفهومين:

التقدم التقني والتعقيد المؤسسي.

قد يكون مجتمع ما أقل تقدمًا تقنيًا، لكنه يمتلك نظامًا معقدًا لإدارة العقود والملكية والمحاكم.

كما أن وجود قانون مكتوب لا يعني بالضرورة وجود مجتمع «أكثر تحضرًا» من مجتمع لا نملك له نصًا قانونيًا مكتوبًا.

فالمشكلة في التاريخ أن ما وصل إلينا ليس بالضرورة صورة كاملة لما كان موجودًا.


المحور التاسع: القانون لم يكن دائمًا مرآة للعدالة... بل أحيانًا مرآة للسلطة

وهنا نصل إلى الجانب النقدي الأهم.

قد نميل إلى الاعتقاد بأن القانون وُجد دائمًا لتحقيق العدالة.

لكن التاريخ السياسي والقانوني أكثر تعقيدًا من ذلك.

القانون يمكن أن يحمي الضعيف، لكنه يمكن أيضًا أن يكرس سلطة الأقوياء.

يمكن أن يحد من الانتقام، لكنه قد يفرض عقوبات غير متساوية.

يمكن أن يحمي الملكية، لكنه قد يحمي نظامًا غير متكافئ في توزيع الملكية.

ولهذا لا يكفي أن نسأل:

ما الذي يقوله القانون؟

بل يجب أن نسأل أيضًا:

من وضعه؟

ومن يستفيد منه؟

ومن يخضع له؟

ومن يستطيع تطبيقه؟

وهذه الأسئلة تجعل دراسة القوانين القديمة جزءًا من دراسة علم الاجتماع السياسي للقانون، وليس مجرد دراسة تاريخية للمواد القانونية.

فالنص القانوني لا يعيش وحده؛ إنه يعمل داخل مؤسسة، والمؤسسة تعمل داخل مجتمع، والمجتمع نفسه تحكمه علاقات قوة.


المحور العاشر: أغرب القوانين القديمة تكشف في النهاية عن شيء مألوف جدًا

قد تبدو قوانين حمورابي والألواح الاثني عشر وغيرها من النصوص القديمة بعيدة جدًا عن عالمنا.

لكن إذا أزلنا اللغة القديمة والعقوبات الصادمة، سنجد أن كثيرًا من الأسئلة لا تزال معنا:

من يملك؟

من يرث؟

ماذا يحدث عند خرق العقد؟

من يتحمل مسؤولية الخطأ المهني؟

كيف نتعامل مع الديون؟

كيف نحمي الملكية؟

كيف نعاقب الجريمة؟

كيف نحقق العدالة؟

المتغير الحقيقي ليس السؤال، بل الإجابة.

فالمجتمعات تتغير، والمؤسسات تتطور، والمعارف العلمية تتقدم، وتصبح حقوق الإنسان أكثر حضورًا في القانون الحديث، لكن الصراع الأساسي بين الحرية والنظام، وبين الفرد والمجتمع، وبين الملكية والمصلحة العامة، يظل حاضرًا بأشكال جديدة.

وهنا تصبح القوانين القديمة أشبه بمرآة مزدوجة:

نرى فيها الماضي، لكننا نرى من خلالها أيضًا بعض جذور حاضرنا.


خاتمة: أغرب ما في قوانين القدماء أنها لم تكن غريبة بالنسبة إليهم

عندما نقرأ عن قوانين تعاقب المدين، أو تنظم الجنازات، أو تفرض مسؤولية قاسية على البنّاء، أو تجعل المكانة الاجتماعية عنصرًا في تحديد العقوبة، قد نشعر أن الإنسان القديم كان يعيش في عالم بعيد تمامًا عن عالمنا.

لكن الحقيقة أكثر إثارة.

فالقوانين التي تبدو لنا غريبة كانت في كثير من الأحيان محاولات للإجابة عن مشكلات حقيقية: كيف يعيش الناس معًا؟ كيف تُحمى الملكية؟ كيف تُحل النزاعات؟ وكيف تحافظ السلطة على النظام؟

لقد تغيرت الإجابات، لكن الأسئلة لم تختفِ.

والدرس الأهم الذي تمنحنا إياه دراسة القوانين القديمة هو أن القانون ليس مجرد مجموعة من المواد المكتوبة؛ إنه ذاكرة المجتمع عن السلطة والخوف والملكية والأسرة والعدالة.

ولهذا، فإن أغرب قانون قديم لا يستحق أن نسخر منه فقط، بل يستحق أن نسأل:

أي نوع من المجتمع كان يحتاج إلى مثل هذا القانون؟

وعندما نطرح هذا السؤال، تتحول القوانين القديمة من مجموعة من «الغرائب التاريخية» إلى وثائق تكشف طريقة الإنسان في بناء النظام، ومحاولة السيطرة على الفوضى، وصناعة مفهومه الخاص للعدل.

وربما تكون المفارقة الأعمق أن الإنسان المعاصر، رغم اختلاف أدواته، لم يتوقف عن طرح السؤال نفسه الذي شغل القدماء:

كيف يمكن أن نعيش معًا دون أن يتحول اختلاف المصالح إلى صراع دائم؟


المصادر الموثوقة

قانون حمورابي – Yale Law School, The Avalon Project
يتضمن ترجمة للنص القانوني ومواد متعددة من قانون حمورابي.

دراسة القانون البابلي – Yale Law School, The Avalon Project
تقدم خلفية عن طبيعة القانون البابلي، ومصادره من العقود والأحكام والوثائق القانونية، وتوضح أن دراسة قانون حمورابي لا تكفي وحدها لإعادة بناء النظام القانوني البابلي بأكمله.

The Twelve Tables – Yale Law School, The Avalon Project
مصدر نصي مهم للألواح الاثني عشر، ويتضمن مواد تتعلق بالمحاكم والديون والأسرة والميراث والملكية والدفن والقانون العام.

Ancient Documents – Yale Law School, The Avalon Project
فهرس لمجموعة من الوثائق القانونية والسياسية من العالم القديم، ويتيح المقارنة بين قانون حمورابي والألواح الاثني عشر وغيرهما.

UNESCO World Heritage Centre – Babylon
يوفر خلفية موثوقة عن بابل ومكانتها الحضارية والسياسية والعلمية في تاريخ بلاد الرافدين.

World History Encyclopedia – Code of Hammurabi
مصدر ثانوي مفيد للسياق التاريخي لقانون حمورابي، مع التنبيه إلى أن قانون حمورابي لم يكن أول مجموعة قوانين معروفة في بلاد الرافدين.

ملاحظة منهجية وحدود المقال

هذا المقال مقال ثقافي تاريخي عام، وليس دراسة أكاديمية استقصائية شاملة لتاريخ التشريع القديم.

كما ينبغي الانتباه إلى عدة حدود منهجية:

  • لا يمكن اختزال «قوانين الحضارات القديمة» في قانون حمورابي أو الألواح الاثني عشر؛ فهناك تقاليد قانونية كثيرة في مصر وبلاد الرافدين واليونان وروما وغيرها.
  • وجود نص قانوني لا يعني بالضرورة أن جميع مواده كانت تطبق بصورة حرفية ومنتظمة في الحياة اليومية.
  • بعض النصوص القديمة وصلتنا بصورة ناقصة أو من خلال نسخ وترجمات لاحقة، ولذلك يجب التعامل مع بعض التفاصيل بحذر.
  • مصطلح «أغرب القوانين» هنا عنوان صحفي جذاب وليس تصنيفًا علميًا؛ فغرابة القانون تتغير بحسب الثقافة والزمن والمعايير التي نقيس بها.
  • لا ينبغي إسقاط المفاهيم القانونية الحديثة بصورة مباشرة على المجتمعات القديمة؛ فمفاهيم مثل المواطنة والمساواة القانونية وحقوق الإنسان والإجراءات الجنائية الحديثة تطورت تاريخيًا عبر مراحل طويلة.
  • المعلومات الواردة عامة وموجهة للتثقيف التاريخي والثقافي، ولا تدعي تقديم صورة شاملة عن كل الحضارات أو كل الفترات الزمنية.

والقاعدة المنهجية الأهم: فهم القانون القديم لا يعني تبرير أحكامه، كما أن رفض بعض أحكامه وفق معاييرنا الحديثة لا ينبغي أن يمنعنا من فهم الظروف التاريخية التي أنتجته.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Mohamed Samir تقييم 4.98 من 5.
المقالات

113

متابعهم

1486

متابعهم

2683

مقالات مشابة
-