ما تركه الحبُّ على حافة  الغياب

ما تركه الحبُّ على حافة الغياب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 


قصيدة عن الحب والفراق والحنين | حبٌّ يبقى رغم الغياب

 

أكتب هذه القصيدة من هنامن المسافة التي تبدأ بعد آخر لقاء، من ذلك الصمت الذي يتركه الغياب في البيوت والقلوب. في الذاكرة، في الأماكن، في الأشياء التي تبدو عابرة للناس وتصبح عند المحب عالمًا كاملًا.

image about ما تركه الحبُّ على حافة  الغياب


رأيتُكِ، فانحنى في الصدرِ نبضٌ
وكانَ العمرُ قبلَكِ مستكينَا
ومدَّ الليلُ كفَّيهِ إلينا
فأصبحَ في ملامحِنا يقينَا
وما نطقتْ شفاهُكِ غيرَ حرفٍ
ولكنْ هزَّ في روحي سنينَا


وصرتُ أرى الطريقَ إليكِ دربًا
وأحسبُ كلَّ منعطفٍ حنينَا
دخلتِ القلبَ دونَ استئذانِ بابٍ
ولا وعدٍ يهيّئُ لي اليقينَا
ففي بعضِ اللقاءاتِ ابتداءٌ
يغيّرُ وجهَ أيامٍ علينا


أحببتُ الهدوءَ في عينيكِ حتى
غدا صمتُ المساءِ لنا أنيسَا
وأحببتُ ابتسامتكِ الصغيرةَ
فكانتْ في لياليَّ شموسَا
ومرّتْ بيننا الأيامُ خفّى
تجرُّ خطاها، ونمضي حيثُ نمضي

وكنتُ إذا التفتُّ إلى عيونِكِ
وجدتُ العمرَ أقربَ من نبضي
وما احتجنا إلى وعدٍ طويلٍ
ففي بعضِ السكوتِ عهودُ قلبِ
وفي بعضِ اليدينِ أمانُ روحٍ
وفي بعضِ القربِ اختصارُ دربِ


ثم انفتحَ الفراقُ على اتساعٍ
وضاقَ بنا المكانُ على رحابِ
وصارَ البيتُ بعدَ خطاكِ صمتًا
تدورُ بهِ الساعاتُ بلا جوابِ
تركتِ على المقعدِ وشاحًا
وعلى المرآةِ طرفًا من عتابِ
وتركتِ المائدةَ تنتظرُ مساءً
يعودُ بهِ الحديثُ إلى الكتابِ


وأبقيتُ الفنجانَ فوقَ الرفِّ
فما قدرتُ أن أنقلهُ بعيدًا
وفيه من ارتشافِكِ شيءُ يومٍ
أحبُّ بقاءَهُ في البيتِ وحيدًا
ومرّتْ في الممرِّ خطى خيالٍ
فرفَّ القلبُ ثم عادَ صمتا
وعادتْ كلُّ نافذةٍ إلى ليلٍ
وعادَ البيتُ بعدَ الوهمِ بيتا


أمشي في الطريقِ الذي جمعنا
فأجمعُ من حجارتِهِ خطانا
وألمحُ عندَ منعطفٍ قديمٍ
بقايا ضحكةٍ سكنتْ سمانا
وأذكرُ كيف كانَ المساءُ يبدأ
بحديثٍ لا نريدُ لهُ انتهاءَ


وكيفَ تمرُّ ساعةُ عمرِنا
ولا نشكو من الوقتِ انقضاءَ
وكم خبّأتُ في صدري رسائلَ
خشيتُ عليها من بردِ الجفاءِ
وكم مزّقتُ أوراقًا كتبتُها
لأني لم أجدْ فيها اكتفاءَ


فليسَ الشوقُ دمعًا مستمرًّا
ولا رفعَ اليدينِ إلى السماءِ
ولكنْ أن تظلَّ لمن تحبُّ
مساحةُ صدقِهِ وسطَ البلاءِ
وأن تحفظْ لهُ وجهًا جميلاً
إذا دارَ الحديثُ

فإن عدتِ، لن أفتحَ بابَ عتبٍ
تراكمَ في ليالي الانتظارِ
سأتركُ للعيونِ حديثَ عمرٍ
أضاعَتهُ المسافاتُ الكبارُ
وسأجلسُ قربَكِ دونَ سؤالٍ
فقد يتعبُ السؤالُ من الجوابِ
ويكفي أن تلاقينا، فهذا
أغلى من حديثٍ مستطابِ


وإن لم ترجعي، فلستُ أريدُ
من الدنيا سوى قلبٍ سليمِ
أصونُ بهِ الجميلَ من الحكايا
وأتركُ ما يؤلمُني لربّي
سأحملُ من ملامحكِ ابتسامًا
ومن صوتِكِ الهادئِ بعضَ دفءِ


فمن أحببتَهُ فاحفظْ غيابهُ
ولا تجعلْ من الذكرى قبورِ
إذا ضاقتْ عليكِ الأرضُ يومًا
ففي قلبي لكِ دربٌ لا يضيقُ
وإن فرّقتْ بنا طرقُ الحياةِ
فلا حقدٌ سيولدُ، لا عقوقُ
سأبقى للذي بيني وبينكِ
وفيًّا ما بقي في الصدرِ نبضُ


فليسَ الحبُّ وعدًا باللقاءِ
ولكنْ عهدُ قلبٍ لا يُنقضُ
وقد يمضي بنا عمرٌ طويلٌ
ولا تجمعْ خطانا ذاتُ دارِ
ويبقى من حكايتنا جمالٌ
يضيءُ على جوانبِنا النهارِ


بعضُ الحبِّ يكفيهُ أن يبقي
نقيًّا، لا يبدّدهُ الجفاءُ
وأنتِ، وإن ابتعدتِ، ففي فؤادي
موضعُ صدقِكِ الأولُ ما يزالُ
لا أضعُ عليهِ قفلًا من نسيانٍ
ولا أطلبُ لهُ يومًا زوالا
سأمضي في حياتي دونَ خوفٍ
وأحفظُ ما تركتِ من الضياءْ


فقد كانَ اللقاءُ هديةَ عمرٍ
وإن كانَ الفراقُ هو الختامْ
وإن سألَتِ الليالي عن حكايا
وإن نامَتْ مدائنُنا جميعًا
وظلَّ الليلُ ممتدًّا وطويلَا
سيبقى الحبُّ في صدري حيًّا
لا يطلبُ من الأيامِ شيئَا


فبعضُ النارِ لا تحتاجُ حطبًا
وبعضُ الضوءِ يسكنُ في الرمادِ
وبعضُ الحبِّ، مهما طالَ بعدٌ،
يظلُّ على ضلوعِ القلبِ حيًّا
لهذا قلتُ للذكرى: لا تخافي
فما في القلبِ من حبٍّ مصانُ
وإن نامَتْ عيونُ الناسِ حولي
فهذا الحبُّ في صدري… لا ينامُ.

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Alkatp تقييم 5 من 5.
المقالات

22

متابعهم

14

متابعهم

32

مقالات مشابة
-