الحدانية: الحجة ضد الثراء الفاحش إنغريد روبينز
https://www.facebook.com/share/19R8Jet6fj/

صدر :2023/2024
الحدانية أو التحديدية: قضية أخلاقية ضد الثراء الفاحش
قراءة تأملية في كتاب إنغريد روبينز
وسواء أكانوا من ورثة الثروات، أم من كبار رجال الصناعة، أم من قادة الدول الكليبتوقراطيين، فإنهم جميعاً يملكون أكثر بكثير مما يحتاجون إليه، وأكثر بكثير مما يستحقون، وهذه الفئة تبتعد شيئاً فشيئاً عن بقية أفراد المجتمع.»
إنغريد روبينز، ص. 32
ثمة أسئلة لا تموت، بل تزداد حضوراً كلما كبرت أرصدة القلة، وتضاءلت حظوظ الكثرة، ومن هذه الأسئلة سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه يحمل دلالات كبيرة، هل يحق للإنسان أن يمتلك من الثروة ما يتجاوز بكثير ما يحتاج إليه في حياته، وهل يمكن أن يصبح الثراء في مرحلة معينة أكثر من مجرد امتلاك للمال، ليصبح قضية تتعلق بالعدالة وبالمجتمع وبالبيئة أيضاً
من هذا السؤال تنطلق الفيلسوفة الهولندية إنغريد روبينز في كتابها، لتقدم مفهوماً مركزياً تسميه "الحدانية"، والمقصود بهذا المفهوم أن تكون للثروة حدود معينة لا ينبغي تجاوزها، وليس المقصود أن امتلاك المال أو تحقيق الثراء أمر خاطئ في ذاته، وإنما المشكلة تبدأ عندما يصل التراكم إلى درجة كبيرة جداً، بحيث لا تعود الزيادة في المال مرتبطة بالحاجة، وإنما تتحول إلى تراكم مستمر للثروة والنفوذ
والكتاب لا يتعامل مع المسألة باعتبارها قضية اقتصادية فقط، وإنما يحاول أن ينظر إليها من زاوية أخلاقية وسياسية وبيئية، فالثروة الكبيرة لا تبقى دائماً داخل حياة صاحبها، وإنما يمكن أن يكون لها تأثير في السياسة والإعلام والاقتصاد، وحتى في البيئة وطريقة استهلاك الموارد، ولهذا ترى روبينز أن السؤال عن الثروة لا ينبغي أن يكون فقط، كم يملك الشخص، وإنما أيضاً ماذا يفعل بهذه الثروة، وكيف حصل عليها، وما أثرها في الآخرين
من أين جاءت الفكرة؟
ظهرت فكرة الكتاب في سياق تاريخي مهم، خصوصاً بعد الأزمة المالية العالمية سنة 2008، وما تبعها من احتجاجات وحركات اجتماعية في عدد من دول العالم، فقد كشفت الأزمة عن وجود تفاوت كبير بين الطبقات الاجتماعية، كما كشفت عن أن الخسائر الاقتصادية يمكن أن يتحملها المجتمع كله، بينما تبقى الثروات الكبرى في يد فئات محدودة
أما مؤلفة الكتاب إنغريد روبينز، وهي أستاذة في مجال أخلاقيات المؤسسات في جامعة أوتريخت، فقد جمعت في دراستها بين الاقتصاد والفلسفة، ولذلك فهي لا تتعامل مع الأرقام باعتبارها مجرد أرقام، وإنما تحاول أن تسأل عن معناها الأخلاقي، وما الذي تعنيه عندما تكون الثروة مركزة في يد فئة صغيرة جداً من المجتمع
وتقول الكاتبة معبرة عن اللحظة التي تبلورت فيها فكرتها المركزية: "بعد عقد من تحليل ومناقشة الثروة المفرطة، أصبحت مقتنعة بأننا يجب أن نصنع عالماً لا يكون فيه أحد فاحش الثراء، عالماً لا بد أن يكون فيه حد أعلى لمقدار الثروة التي يمكن أن يمتلكها أي شخص، وأنا أسمي هذا الحدانية" [1]
رحلة الكتاب من المقدمة إلى الطريق
البداية، مليونان في الساعة
تفتتح روبينز كتابها بمثال لافت، فهي تحاول أن تجعل القارئ يتخيل معنى ثروة تصل إلى مئات المليارات، وذلك بترجمة هذا الرقم إلى أجر ساعي، فتقول: "كم يجب أن يكون أجرك في الساعة، حتى تكون في النهاية قد جمعت 219 مليار دولار؟ الإجابة هي 1,871,794 دولاراً في الساعة، وذلك في كل ساعة عمل ولمدة خمسة وأربعين عاماً" [2]
والهدف من هذا المثال هو تقريب معنى الثروة الهائلة إلى ذهن القارئ، لأن الأرقام عندما تصل إلى مليارات الدولارات تصبح أحياناً مجرد أرقام يصعب تخيل معناها الحقيقي، وكأن روبينز تريد أن تقول إن المشكلة تبدأ من هنا، من أن الأرقام الكبيرة جداً تفقد معناها الأخلاقي حين تتحول إلى مجرد إحصاءات في مجلات فوربس والأثرياء
ومن هذا المدخل تبدأ في بناء فكرة الحدانية، وتقترح ثلاثة مسارات يمكن من خلالها الوصول إلى سقف للثروة، وتقول عن ذلك: "من الناحية العملية، تدعو الحدانية إلى ثلاثة أنواع من العمل، أولاً، هناك العمل الهيكلي، فمؤسساتنا الاجتماعية والاقتصادية الرئيسية ينبغي أن تمنح الناس فرصاً متكافئة حقاً، من خلال رعاية أطفال ميسورة، وتعليم مجاني عالي الجودة، واستراتيجية شاملة لمكافحة الفقر" [3]
ثم تنتقل إلى المسار الثاني، وهو ما تصفه بأنه العمل المالي، وتقول: "كلما اتخذنا خطوات هيكلية أكثر لتقليل اللامساواة، قلت الحاجة إلى ما سيبقى للاستراتيجية الثانية، وهي العمل المالي، فالإجراءات الهيكلية وحدها لن تكون كافية لمنع نشوء لامساواة كبيرة، ولا للسماح لكل الناس بأن يعيشوا حياة كريمة" [3]
أما عن الحدود الرقمية المقترحة فتقول الكاتبة بوضوح: "في بلد ذي ملف اجتماعي اقتصادي شبيه بهولندا التي أعيش فيها، ينبغي أن نهدف إلى خلق مجتمع لا يملك فيه أحد أكثر من عشرة ملايين يورو" [4]، وتضيف أن الحد الأخلاقي الشخصي يظل أدنى من هذا السقف السياسي، "سيكون في حدود مليون جنيه أو دولار أو يورو للشخص الواحد" [4]
الفصل الأول، من هم فاحشو الثراء؟
تبدأ الكاتبة هنا بملاحظة بسيطة لكنها مهمة، وهي أن الفقر غالباً ما يكون واضحاً أمام أعين الناس، يمكن أن نراه في الشوارع وفي الأحياء وفي ظروف الحياة اليومية، أما الثراء الفاحش فهو في كثير من الأحيان غير ظاهر، لأنه يعيش خلف أبواب مغلقة، وفي مجمعات سكنية خاصة، وفي عالم اجتماعي بعيد عن الحياة اليومية لمعظم الناس
وتحاول روبينز أيضاً أن تناقش الصورة المنتشرة عن الشخص الذي صنع ثروته بنفسه، فهي تشير إلى أن هذه الحالات موجودة فعلاً، لكن هناك أيضاً عدد كبير من أصحاب الثروات الذين استفادوا من ثروات موروثة، أو من ظروف اجتماعية واقتصادية ساعدتهم، أو من مواقعهم داخل شركات ومؤسسات اقتصادية كبيرة
كما تتحدث عن رجال الأعمال ومديري الشركات الكبرى، وعن الأوليغاركيين في بعض الدول، وعن الطريقة التي يمكن من خلالها أن تتداخل الثروة مع السياسة والسلطة، وبالتالي فإن الحديث عن فاحشي الثراء لا يتعلق فقط بالأشخاص الذين يملكون المال، وإنما يتعلق أيضاً بالمكانة التي يمكن أن يمنحها لهم هذا المال
الفصل الثاني، خرافة الربح للجميع
تنتقل روبينز بعد ذلك إلى مناقشة فكرة منتشرة في الاقتصاد الحديث، وهي أن النمو الاقتصادي والعولمة في النهاية يستفيدان الجميع، حتى لو كانت الاستفادة في البداية غير متساوية، وتناقش الطريقة التي يتم بها قياس الفقر، وترى أن بعض المعايير المستخدمة قد لا تعكس الصورة الكاملة لحياة الناس
فإذا كانت عتبة الفقر منخفضة جداً، يمكن أن يبدو عدد الفقراء أقل مما هو عليه في الواقع، بينما عندما نرفع هذه العتبة قليلاً تظهر أمامنا أعداد كبيرة من الناس الذين يعيشون في ظروف اقتصادية صعبة، وهذا يجعل مسألة قياس الفقر نفسها جزءاً من النقاش حول العدالة الاقتصادية
وترى روبينز أن النمو الاقتصادي العالمي لم يؤد دائماً إلى توزيع متساو للمكاسب، بل استفادت الفئات الأكثر ثراء بدرجة كبيرة، في حين ظلت مناطق واسعة من العالم تعاني من الفقر والتهميش
وتنتقد الكاتبة نظرية "التساقط لأسفل" التي طالما استُخدمت لتبرير خفض الضرائب على الأغنياء، وتستعير عبارة السيناتورة الأمريكية إليزابيث وارن حين تقول: "الثروة لا تتساقط للأسفل، بل تتساقط للأعلى" [5]، وتضيف أن الدراسات الأكاديمية أكدت هذه النتيجة، إذ تقول: "في دراسة تحلل جميع التخفيضات الرئيسية في الضرائب على الأثرياء عبر ثمانية عشر بلداً غنياً في الفترة بين 1965 و2015، أظهر ديفيد هوب ويوليان ليمبيرغ أن التخفيضات الضريبية للأغنياء أدت إلى ارتفاع في اللامساواة في الدخل، ولم يكن لها تأثير معنوي على النمو الاقتصادي أو الحد من البطالة" [5]
الفصل الثالث، المال القذر
في هذا الفصل تبحث روبينز في مصادر بعض الثروات الكبيرة، وهي ترى أن السؤال عن الثروة لا ينفصل عن السؤال عن مصدرها، وتضرب مثالاً بالغ القسوة على الثروات الملوثة، فتقول: "من المعروف على نطاق واسع أن عائلات أعمال ألمانية عديدة أسهمت في نجاح النظام النازي وربحت من الفظائع التي ارتكبها النازيون، بما في ذلك المالكون السابقون لشركات BMW وبورشه ودكتور أوتكر" [6]
ولا تكتفي بذلك، بل تنتقل إلى نماذج الفساد السياسي المعاصر، فتقول عن الحالة الروسية: "الفساد متفشٍ، سرقة من ميزانية الدولة، وابتزاز التمويل من الشركات الخاصة، بل والاستيلاء على شركات بكاملها" [7]، وترى أن هذه الأنظمة تحول الدولة إلى أداة لخدمة قلة من المقربين من السلطة، وتصبح الثروة فيها امتداداً للنفوذ السياسي لا نتاجاً للجهد الاقتصادي
وتتوقف روبينز عند التهرب الضريبي والملاذات الضريبية، وكيف أصبحت هناك شبكات مالية دولية تسمح بتحويل الأموال وإخفائها، وتصف هذا الواقع بقولها: "من هم الأشخاص الذين يتجنبون دفع الضرائب؟ ليس مفاجئاً أن يكون فاحشو الثراء حول العالم هم من يستخدمون بشكل أساسي الإمكانيات التي توفرها الملاذات الضريبية، إذ لديهم صناعة كاملة تساعدهم على إخفاء ثرواتهم في الخارج" [8]
وتذكر الكاتبة كذلك بعض الحالات التي ارتبط فيها تحقيق الأرباح بأضرار كبيرة، سواء للعمال أو للمجتمع أو للبيئة، ومن بينها كارثة بوبال في الهند، وتنقل الحدث بمرارة، فتقول: "في مصنع مبيدات تابع لشركة يونيون كاربايد الأمريكية، ونتيجة لصمام معطل مع نظام أمان لا يعمل، تسربت كمية هائلة من الغازات، والنفايات السامة قتلت فوراً أكثر من 3800 شخص" [9]
ومن خلال هذه الأمثلة تريد روبينز أن توضح أن الثروة ليست مجرد رقم موجود في الحساب البنكي، بل لها تاريخ وطريقة تكوين، وقد تكون وراءها علاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية لا تظهر بمجرد النظر إلى حجم الثروة
الفصل الرابع، حين يشتري المال الديمقراطية
تنتقل المؤلفة بعد ذلك إلى العلاقة بين الثروة والديمقراطية، وهي من أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب، لأنها ترى أن تركيز المال في يد عدد قليل من الأشخاص يمكن أن يؤدي مع الوقت إلى تركيز القوة السياسية أيضاً
فالشخص الذي يملك ثروة ضخمة يستطيع تمويل الحملات الانتخابية، ودعم المؤسسات، والتأثير في وسائل الإعلام، كما تستطيع الشركات الكبرى ممارسة الضغط على الحكومات من خلال حجمها الاقتصادي وقدرتها على الاستثمار أو نقل رؤوس الأموال
وتشير روبينز إلى ظاهرة الجوازات الذهبية والإقامات التي تمنح للأثرياء، كما تتحدث عن تمويل الحملات الانتخابية، وعن الطريقة التي يمكن أن يصبح بها المال وسيلة للتأثير في القرارات السياسية
وتتطرق كذلك إلى وسائل الإعلام، وتذكر إمبراطورية روبرت مردوخ، وإلى مراكز الأبحاث التي تمولها جهات اقتصادية، ومن بينها ما ارتبط بالأخوين كوك في الولايات المتحدة، وتريد من خلال هذه الأمثلة أن تبين أن امتلاك المال يمكن أن يؤدي إلى امتلاك قدرة أكبر على التأثير في الرأي العام
الفصل الخامس، الكوكب يدفع الفاتورة
تأخذ القضية البيئية في الكتاب مكاناً مهماً، لأن روبينز ترى أن الثراء المفرط لا يتعلق فقط بحجم الأموال، وإنما يرتبط أيضاً بأنماط الاستهلاك، فالأثرياء جداً يستطيعون السفر بالطائرات الخاصة، وامتلاك مساكن كبيرة، واستهلاك كميات كبيرة من السلع والطاقة
وتستشهد الكاتبة برأي الاقتصادي الفرنسي توما بيكيتي، فتقول ناقلة عنه: "من المستحيل أن نخوض معركة جدية ضد التغير المناخي دون إعادة توزيع عميقة للثروة، سواء داخل البلدان أو بين الدول" [10]، ثم تعقب مؤكدة أن "بيكيتي ومونبيوت ليسا الوحيدين اللذين يرون علاقة قوية بين الانهيار البيئي والثروة المفرطة" [10]
وتشير إلى أن أغنى واحد بالمئة من سكان العالم مسؤولون عن نسبة كبيرة من الانبعاثات الكربونية، بينما يستهلك نصف سكان العالم الأفقر موارد أقل بكثير، وهذا يجعل قضية المناخ مرتبطة أيضاً بمسألة العدالة الاجتماعية
فليس من السهل أن نطلب من الفقير أن يقلل استهلاكه، بينما يعيش شخص آخر في مستوى من الاستهلاك لا يمكن مقارنته به، ولهذا ترى روبينز أن مواجهة التغير المناخي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار حجم استهلاك الفئات الأكثر ثراء
الفصل السادس، تفكيك أسطورة الاستحقاق
تناقش روبينز هنا فكرة منتشرة كثيراً، وهي أن الشخص الثري يستحق كل ما يملكه لأنه عمل واجتهد من أجل الوصول إليه، وهي لا تنكر أهمية العمل والاجتهاد، لكنها ترى أن النجاح لا يمكن تفسيره دائماً بالجهد الفردي فقط
وتتناول ما يسمى بأجور "الاستحقاق" التي يتقاضاها كبار المديرين، فتقول ناقلة الأرقام بصرامة: "لقد ارتفع تعويض المديرين التنفيذيين للشركات في الولايات المتحدة، خاصة في مدينة لندن، فمن بين شركات FTSE 350 الأكبر إيراداً كان متوسط تعويض المدير التنفيذي حوالي 27.8 مليون دولار سنة 2021، وبين 1978 و2021 نما تعويض المديرين التنفيذيين في الولايات المتحدة بنسبة 1460 بالمئة، بينما ارتفع تعويض العامل النموذجي بنسبة 18 بالمئة فقط في الفترة نفسها" [11]
وتفتح روبينز أيضاً باباً آخر، وهو باب الميراث، فتقول: "هل يترتب على ذلك إذاً أنه ينبغي علينا أن نلغي الميراث كلياً، من خلال ضريبة مصادرة صارمة؟ هذا سؤال لا بد من طرحه، وكما لاحظ الفيلسوف د. و. هاسليت، لقد ألغينا وراثة السلطة السياسية، فلماذا ينبغي ألا نلغي وراثة السلطة الاقتصادية أيضاً" [12]
وتستفيد المؤلفة كذلك من التمييزات القائمة في سوق العمل، فتشير إلى "حقيقة أن النساء والأقليات العرقية يحصلن باستمرار على أجور أقل من الرجال مقابل نفس العمل، وأن ثمة دراسات تجريبية مفصلة توثق التمييز في سوق العمل" [11]، فتخلص إلى أن سردية الاستحقاق تنهار حين نأخذ في اعتبارنا هذه العوامل البنيوية
الفصل السابع، الوجه المشرق للحدانية
بعد الحديث عن مشكلات الثروة المفرطة، تنتقل روبينز إلى السؤال المتعلق بما يمكن أن يحدث إذا تمت إعادة توزيع جزء من هذه الثروة، وهنا تستند إلى فكرة تناقص القيمة الحدية للمال، فالمبلغ نفسه لا تكون له القيمة نفسها عند جميع الناس
وتنقل الكاتبة عن الاقتصادي جيفري ساكس نداءه الشهير حين قال في قمة الأمم المتحدة لأنظمة الغذاء عام 2021: "الأثرياء أفراد يكتنزون كل شيء بشكل متزايد، إذا كان المليارديرات يريدون الذهاب إلى الفضاء فليتركوا على الأقل بعض المال هنا على الأرض لحل مشكلات الأرض الحرجة، لدينا حوالي 2725 مليارديراً بثروة مجتمعة تناهز 13.1 تريليون دولار، وأنا بحاجة إلى أقل من 51 مليار دولار لينام الجميع بأمان، حتى لو احتفظ كل مليارديري بمليار دولار فسيبقى نحو 10 تريليون دولار لإنهاء الجوع والفقر والتدمير البيئي" [13]
وتستعرض المؤلفة تجربة ناميبيا في مجال الدخل الأساسي، وتشير إلى أن "ائتلاف الدخل الأساسي في ناميبيا كان يدعو منذ زمن إلى دخل أساسي غير مشروط على مستوى وطني بمقدار 100 دولار ناميبي شهرياً، أي حوالي 14 دولاراً أمريكياً، وأن هذه المنحة كانت سترفع دخل أفقر 20 بالمئة من السكان بنسبة 50 بالمئة" [14]
كما تناقش فكرة أن إعادة توزيع الثروة قد تؤدي إلى إضعاف حافز العمل، وترى أن الإنسان لا يعمل من أجل المال فقط، وإنما توجد دوافع أخرى، مثل الرغبة في النجاح، والمكانة الاجتماعية، والشعور بالإنجاز، وحب العمل والإتقان
الفصل الثامن، الفيلانثروبيا ليست عدالة
تخصص الكاتبة فصلاً كاملاً بعنوان مباشر تقول فيه: "الفصل الثامن، الفيلانثروبيا ليست هي الجواب" [15]، وترى أن التبرعات والعمل الخيري قد يكون لهما دور، لكنهما لا يستطيعان وحدهما أن يحلا مشكلة اللامساواة، ولا أن يحلا محل نظام ضريبي عادل
فالشخص الثري عندما يتبرع بمبالغ كبيرة يستطيع أن يختار بنفسه المجالات التي ستذهب إليها أمواله، وتصف روبينز هذه القوة الفلسفية بقولها: "يمكن للفيلانثروبيين استخدام قوتهم البلوتوقراطية لمساعدتنا على معالجة أزمة عاجلة وحادة لا تستطيع المؤسسات الديمقراطية كما نعرفها اليوم أن تعالجها" [16]، غير أنها تحذر مباشرة من أن هذه القوة نفسها تعني أن قلة من الأثرياء يقررون بدلاً منا ما هو المهم وما هو غير المهم
كما تنقل عن أبيغيل ديزني، الوريثة الغنية والناقدة للامساواة، ما يكشف عن أسباب أعمق لتفضيل الأثرياء للعمل الخيري على الضرائب، فتقول عن حديثها مع ديزني: "لماذا شعر فاحشو الثراء بمثل هذا الانعدام للثقة في الحكومة، ولا ينبع هذا الانعدام في الثقة من مجرد فوارق أيديولوجية عرضية، بل هو أحد أبرز ملامح المنعطف الذي اتخذته السياسة الأمريكية في العقود الأخيرة" [17]
ولهذا ترى المؤلفة أن العمل الخيري ينبغي ألا يستخدم كبديل عن العدالة الضريبية، لأن المجتمع يحتاج إلى نظام ضريبي يستطيع من خلاله تمويل التعليم والصحة والخدمات العامة، ولا يمكن ترك هذه المسؤولية كلها للمبادرات الفردية
الفصل التاسع، حين يمرض الأثرياء أيضاً
لا تتحدث روبينز فقط عن تأثير الثروة المفرطة في الفقراء أو في المجتمع، وإنما تحاول أيضاً النظر إلى حياة الأثرياء أنفسهم، فتقول ناقلة عن دراسة أنثروبولوجية: "إحدى النتائج اللافتة من عالمة الاجتماع راشيل شيرمان في بحثها عن حياة نيويوركيين أثرياء جداً، أنه رغم امتلاكهم ملايين متعددة من الأصول، لا يزال هؤلاء الأثرياء يعبرون عن رأي مفاده أنه يجب عليهم التمسك بذلك المال، لأنه بوليصة تأمينهم الوحيدة لأنفسهم ولعائلاتهم في مواجهة الطلاق أو الإعاقة أو البطالة" [18]
كما أن التراكم المستمر للمال قد يتحول إلى هدف في حد ذاته، فالإنسان بعد أن يصل إلى مستوى معين من الثراء قد لا يكون بحاجة حقيقية إلى المزيد، ومع ذلك يستمر في جمع الأموال والاستثمارات والثروات
وهنا تظهر مفارقة غريبة، وهي أن الإنسان الذي يملك الكثير قد لا يشعر بالاكتفاء، بل يمكن أن يتحول المال بالنسبة إليه إلى رغبة لا تنتهي، وكلما حصل على المزيد أراد المزيد، وكأن الغاية لم تعد هي الحياة الجيدة وإنما استمرار التراكم
الفصل العاشر، الطريق إلى مجتمع حداني
في نهاية الكتاب تقدم روبينز مجموعة من الأفكار التي ترى أنها يمكن أن تساعد في الوصول إلى مجتمع أكثر عدالة، ومن بينها مراجعة النظام الاقتصادي والسياسي الذي يسمح بتراكم الثروة دون حدود، والعمل على الحد من التفاوت بين الطبقات
وتقول بحسم عن العلاقة بين قوة رأس المال وقوة العامل، مستدعية آدم سميث: "لماذا نحتاج إذاً إلى مثل هذا التوازن للقوة الاقتصادية، إن كون الاقتصاد مجالاً للسلطة قد أدركه المفكرون قبل قرون، فقد أشار آدم سميث في ثروة الأمم عام 1776، إلى أن ثمة اختلالاً كبيراً في القوة بين مالك المصنع والعمال فيه، فالعمال كانوا يشعرون بأن الأجر التي يحصلون عليه منخفض جداً، لكنهم لم يكن باستطاعتهم من الناحية العملية رفض العمل" [19]
وتقترح أيضاً تقوية النقابات العمالية، وتحسين ظروف العمال، وإغلاق الملاذات الضريبية، ومكافحة التهرب الضريبي، وإعادة النظر في السياسات التي تسمح بتراكم الثروة بشكل كبير في يد فئة محدودة
كما تتحدث عن التعليم والسكن، وترى أن المجتمع الأكثر عدالة يحتاج إلى تقليل العزل بين الطبقات، لأن الأطفال والشباب الذين يولدون في أسر فقيرة يجب ألا تكون فرصهم في الحياة أقل بشكل كبير فقط لأنهم ولدوا في أسرة مختلفة
ومن المقترحات التي تطرحها روبينز أيضاً وضع سقف للمواريث، وتوجيه جزء من هذه الثروة إلى الشباب عند بلوغهم سن الرشد، بحيث يحصل كل شاب وشابة على فرصة مادية تساعده على بداية حياته، وبهذا لا تكون نقطة الانطلاق في الحياة مرتبطة بشكل كامل بالأسرة التي ولد فيها الإنسان
كلمة أخيرة
بعد قراءة هذا الكتاب يتضح أن روبينز لا تدعو بالضرورة إلى كراهية الأغنياء، وإنما تحاول أن تجعل القارئ يفكر في حدود الثراء، وفي اللحظة التي يمكن أن يتحول فيها المال من وسيلة لتحسين الحياة إلى وسيلة تمنح صاحبها قوة وتأثيراً يتجاوزان حاجته الشخصية
وهنا تأتي أهمية مفهوم الحدانية، فهي تحاول أن تقول إن المشكلة ليست في المال نفسه، وإنما في التراكم غير المحدود، وفي وجود ثروات ضخمة إلى جانب فقر شديد، وفي التأثير الذي يمكن أن تمارسه الثروة في السياسة والاقتصاد والبيئة
والكتاب في النهاية يفتح أسئلة كثيرة حول معنى العدالة، وحول العلاقة بين الإنسان والمال، وحول ما إذا كان من حق الفرد أن يمتلك بلا حدود، أم أن المجتمع يستطيع أن يضع حدوداً معينة عندما تصبح الثروة مؤثرة في حياة الآخرين
ولهذا يمكن القول إن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في الأرقام أو المقترحات التي يقدمها، وإنما في السؤال الذي يتركه عند القارئ، هل يمكن أن تكون هناك ثروة كبيرة جداً إلى درجة يصبح معها امتلاكها مشكلة أخلاقية، وليس مجرد نجاح شخصي، وهذا السؤال وحده كاف لأن يجعل القارئ يعيد التفكير في الطريقة التي ينظر بها إلى المال والنجاح والعدالة الاجتماعية
قائمة الإحالات والمراجع
[1] بلورة مفهوم الحدانية، ص 15، النص الأصلي: “After a decade of analyzing and debating extreme wealth, I became convinced that we must create a world in which no one is super-rich—that there must be a cap on the amount of wealth any one person can have. I call this limitarianism.”
[2] الأجر الساعي لثروة ماسك، ص 12، النص الأصلي: “How much would your hourly wage need to be so that, by the end, you'd have amassed $219 billion? The answer is $1,871,794 per hour. Almost two million dollars per hour. Every working hour for forty-five years.”
[3] المسارات الثلاثة للحدانية (العمل الهيكلي والعمل المالي)، ص 16، النص الأصلي: “In practical terms, limitarianism calls for three kinds of action. First, there is structural action... The more structural steps we take to reduce inequality, the less need there will be for the second strategy: fiscal action.”
[4] الحدود الرقمية المقترحة، ص 19، النص الأصلي: “In a country with a socio-economic profile similar to the Netherlands, where I live, we should aim to create a society in which no one has more than €10 million... the ethical limit will be around one million pounds, dollars or euros per person.”
[5] نقد نظرية التساقط لأسفل، ص 64، النص الأصلي: “Wealth does not trickle down. It trickles up. In a study analyzing all major reductions in taxes on the rich across eighteen affluent countries in the period 1965–2015, David Hope and Julian Limberg found that tax cuts for the rich led to higher income inequality, and did not have a significant effect on economic growth or reducing unemployment.”
[6] الثروات الملطخة بالنازية، ص 70، النص الأصلي: “It's widely known that several German business families contributed to the success of the Nazi regime and profited from the atrocities the Nazis committed—including the previous owners of BMW, Porsche, and Dr. Oetker.”
[7] الأنظمة الكليبتوكراطية والفساد، ص 76، النص الأصلي: “Corruption is rampant: stealing from the state budget, extorting funding from private companies, even seizing companies outright.”
[8] الملاذات الضريبية وفاحشو الثراء، ص 87، النص الأصلي: “Who are the people who avoid paying taxes? Not surprisingly, it is the super-rich around the world who primarily make use of the possibilities that tax havens offer. They have an entire industry that helps them conceal wealth abroad.”
[9] كارثة بوبال والنفايات السامة، ص 94، النص الأصلي: “The toxic waste immediately killed more than 3,800 people, in addition to several thousand more victims who lost their lives in the days that followed.”
[10] العلاقة بين الثروة المفرطة والانهيار البيئي، ص 120، النص الأصلي: “It is impossible to seriously fight climate change without a profound redistribution of wealth, both within countries and internationally... Piketty and Monbiot are not the only ones who see a strong link between environmental breakdown and extreme wealth.”
[11] فجوة أجور المديرين التنفيذيين والتمييز، ص 147، النص الأصلي: “Between 1978 and 2021, American CEO compensation grew by 1,460 percent, whereas the compensation of the typical worker increased by just 18 percent in the same period.”
please login to be able to comment