كيف يتحول الأب من إنسان إلي قدر ؟

كيف يتحول الأب من إنسان إلي قدر ؟

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

كيف يتحول الأب من إنسان إلي قدر ؟

يصعب فهم أدب كافكا دون فهم صورة الأب التي تهيمن على حياته وكتاباته، ولد فرانز كافكا عام 1883 في براغ لعائلة يهودية، كان والده، هرمان كافكا، تاجراً ناجحاً يتمتع بشخصية قوية وحادة، يؤمن بالقوة والانضباط، بينما كان ابنه حساساً، ميالاً للتأمل، مريض الجسد، وعاشقاً للأدب، فنشأت بينهما فجوة هائلة.

ليست شخصية الأب في أدب كافكا مجرد استعادة فنية لعلاقته المضطربة بوالده، ولا يمكن اختزالها في كونها انعكاسًا لسيرة ذاتية مؤلمة، لأن الأدب العظيم يتجاوز دائماً حدود التجربة الشخصية ليحولها إلى رمز إنساني شامل، ومن هنا تبدو قراءة كارل يونغ بكشف الطبقات العميقة في نصوص كافكا، باعتبار الأب نموذجًا أصليًا يسكن اللاوعي الجمعي للبشر، ويجسد النظام والسلطة والحكمة والحدود والقانون، غير أن هذا النموذج يحمل وجهين متناقضين، وجهًا مضيئًا يقود الابن نحو النضج والاستقلال، ووجهًا مظلمًا يتحول فيه الأب إلى قوة استبدادية تبتلع الفرد وتمنعه من تحقيق ذاته، وما يميز عالم كافكا هو أن الوجه الأول يكاد يختفي تمامًا، فلا يبقى من الأب سوى صورته المظلمة، حتى يصبح الأب ليس شخصًا، بل بنية نفسية تهيمن على الكون الروائي كله.

يرى يونغ أن رحلة الإنسان نحو اكتمال ذاته تبدأ دائمًا بمواجهة النماذج الأصلية التي تحكم النفس من الداخل، ويأتي نموذج الأب في مقدمة هذه النماذج لأنه يمثل القانون الأول الذي يواجهه الطفل، وهو الذي يرسم الحدود بين الممكن والممنوع، وبين الفوضى والنظام، لكن الأب لا يؤدي دوره الصحي إلا إذا سمح للابن بأن يغادر سلطته تدريجيًا ليؤسس هويته المستقلة، أما إذا تحول إلى سلطة مطلقة لا تسمح بالاستقلال، فإنه يتوقف عن كونه أبًا حقيقيًا ويصبح ما يسميه يونغ "الظل الأبوي"، أي الصورة المشوهة للنموذج الأصلي التي تلتهم الفرد بدل أن ترعاه، وهذه هي النقطة التي يبدأ منها عالم كافكا، ففي رواياته لا يظهر الأب بوصفه مصدرًا للحماية، وإنما باعتباره السلطة التي لا يمكن تفسيرها أو مناقشتها أو حتى فهم أسبابها.

إن أخطر ما يفعله الأب الكافكوي أنه لا يكتفي بالسيطرة على العالم الخارجي، بل يغزو العالم الداخلي للابن حتى يصبح جزءًا من ضميره، ولهذا يبدو أبطال كافكا وكأنهم يعيشون في محكمة دائمة، حتى عندما لا يكون هناك قاضٍ، ويشعرون بأنهم مذنبون قبل أن يرتكبوا أي ذنب، ويعتذرون عن وجودهم نفسه قبل أن يعتذروا عن أفعالهم.

وتتخذ هذه الرمزية بعدًا أكثر تعقيدًا في رواية «المسخ»، حيث يظن كثير من القراء أن محور الرواية هو التحول الجسدي لغريغور سامسا إلى حشرة، بينما تكشف قراءة يونغ أن التحول الحقيقي يحدث في علاقة الأسرة بالأب، ففي بداية الرواية يبدو الأب عاجزًا، ضعيفًا، معتمدًا اقتصاديًا على ابنه، لكن ما إن يسقط غريغور حتى يستعيد الأب سلطته وهيبته، ويرتدي زيه الرسمي، ويبدأ باستعادة موقعه داخل الأسرة، وكأن انهيار الابن هو الشرط الضروري لعودة الأب إلى الحياة، ولذلك فإن التفاحة التي يقذفها الأب نحو ظهر غريغور هي ختم نفسي يرسخ شعور الابن بأنه مطرود من العائلة

ويتصل بذلك مفهوم الظل، وهو أحد أهم مفاهيم يونغ وأكثرها حضورًا في أدب كافكا، فالظل هو الجانب الذي ترفض الأنا الاعتراف به، فتقوم بإسقاطه على الآخرين، غير أن الأب الكافكوي يمارس إسقاطًا فهو يخفي داخله الخوف والضعف والرغبة في السيطرة، ثم ينسب هذه الصفات إلى الابن، فيجعله يبدو فاشلًا وعاجزًا، ومع مرور الزمن يتبنى الابن هذه الصورة عن نفسه، فيصبح ظل الأب هوية الابن، ولهذا فإن شخصيات كافكا تعيش اغترابًا وجوديًا يجعلها تنظر إلى نفسها بعيني السلطة التي قمعتها.image about كيف يتحول الأب من إنسان إلي قدر ؟

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
jon snow تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-