محاكمه مغبونه ابكت قاضيها
المقدمه
هل سرقة المشاعر يعاقب عليها القانون
وهل نهب الاحلام والاستيلاء عليها مجرم فى الاعراف الدوليه
وهل اختلاس شباب الفرد يدخل ضمن الجنايه ام الاجنحه ام أنه يثاب فاعله
وهل خيانه الضمير نص الدستور مادة بتجريمها
وهل قتل الروح رغم حياة الجسد
يعاقب جانيها بالاعدام هجرا ام نهب سنينه لذويه ام يحكم ببرائته لعدم كفاية الأدلة
أسئلة كثيرة وأجوبة أكثر تبدوا اسئله وجوديه اجابتها قلسفيه
ولكن دعنا نحلل الامر من زاوية اخرى
محاكمة مغبونة

أسئلةٌ كثيرة وأجوبةٌ أكثر، تبدو أسئلةً وجودية إجابتها فلسفية...
ولكن دعنا نحلل الأمر من زاوية أخرى؛ زاوية الجدلية الأزلية بين الحق والباطل. فالحق في عالم المشاعر والروح والوعود يظل عارياً بلا غطاء قانوني يحميه، بينما الباطل يتلفع برداء الثغرات ويرتكب أبشع مجازره النفسية خلف ستار "المشروعية الظاهرة". إنها المعركة التي لا تنتهي بـ "حكم محكمة"، بل تبدأ حين تصمت القوانين الوضعية ليتكلم قاضي السماء..
.
القضية الأولى: هل سرقة المشاعر يعاقب عليها القانون؟

طُرح السؤال الأول، وتُرك الباب موارباً دون إغلاق؛ فليست كل المشاعر نسعى للحفاظ عليها، ولكن دعنا نرى ما الذي سُرق أولاً لنحدد عقوبته.
جاء لسان حال المجني عليه يقول:
"سُرق مني الأمان، والدفء، وطمأنينة قلبي.. أصبحتُ أعاني من قلبٍ يرجف، ونفسٍ واجفةٍ خائفة طيلة الوقت. أذهبُ إلى وسادتي كل ليلة فأجدها ترفضني يا سيادة القاضي! النوم عاقبني بالحرمان، ووحش المستقبل الحاضر يأتيني كل يوم ينهش في جسدي، حتى بدأ يتوارى من فرط ضعفه وهزاله.. ليته سرق كل شيء مادي وترك لي أماني وطمأنينتي.. لا أريد جلده، ولا أطلب الانتقام منه، بل أريد استرداد ما سُرق مني!".
وما إن نطق بآخر كلماته حتى وقع المجني عليه مغشياً عليه من فرط الحزن والكمد.
نقّب القاضي في نصوص القانون ومواده عن مادةٍ يعاقب بها الجاني على هذا السلب الخفي, فلم يجد؛ فدمعت عيناه، وطرق مطرقته بقلة حيلة صائحاً: رُفعت الجلسة!
القضية الثانية: هل نهب الأحلام مُجرَّم في الأعراف الدولية؟

نادى حاجب المحكمة: "القضية التالية.. القضية رقم 2: نهب واستيلاء!".
قال القاضي برزانة: "تفضل، اسرد ما حدث معك".
تساءل المجني عليه بنبرة متهدجة: "هل نهب الأحلام والاستيلاء عليها مُجرَّم في الأعراف الدولية؟".
فقاطعه القاضي: "لا تسأل بل أجب.. ماذا حدث؟".
فاسترسل لسان حال المجني عليه قائلاً:
"نُهبت أحلامي، وتم الاستيلاء عليها عنوة ودون وجه حق.. ظللت طيلة سنين أحلم وأحلم، وأسعى بكل جوارحي لتحقيق حلمي. حاولت مراراً وتكراراً وفشلت، عانيت للسنوات طوال أتعثر وأنهض دون أن يلتفت إليّ أحد، أو يشعر بوجعي فرد. وفي آخر محاولاتي.. نجحتُ! اقتربتُ وكدتُ ألمس حلمي بيدي، وجدته يتلألأ أمامي.. وفجأة، جاءني طاغية.. نظر في عيني بكل عجرفة واستكبار، كبّل يدي، واستولى على حلمي عنوة أمام ناظري! لم تشفع لي دموع عيني أمامه، ولم يكترث لـ مخاض تعبي وجهدي؛ ظللت أصرخ وأصرخ: هل من مغيث؟ هل من منجد؟ هل من سامع؟ هل من رائي؟.. ولم يجبني أحد! والتفت خلفي، فكانت الصدمة الكبرى.. وجدت الجميع ينظرون، ويسمعون، بل ويهنئون ذلك الطاغية الناهب! فهل من قانون دولي يجرم ما حدث لي؟".
طرق القاضي مطرقته بقوة هذه المرة، وقال وجلاً: رُفعت الجلسة لعدم اختصاص المحكمة!
القضية الثالثة: هل اختلاس شباب الفرد يدخل ضمن الجناية أم الجنحة، أم أنه يُثاب فاعله؟

نادى الحاجب: "القضية الثالثة.. جناية اختلاس!".
أجابت بنبرة خافتة: "حاضرة يا سيدي القاضي".
قال القاضي: "تفضلي.. اسردي ما لديكِ".
تنهدت وقالت:
"لا أعلم من أين أبدأ، وهل سيتسع صدر المحكمة لسماعي.. أم ستعاجلني مطرقتك وتنهي الحديث؟".
رد القاضي بحزم يداري تعاطفه: "احترمي جلال المكان.. واسردي".
قالت: "يا سيدي القاضي، هل اختلاس الشباب جناية أم جنحة؟ وهل يعاقب مرتكبها بالسجن، أم بالحبس، أم يُترك حراً طليقاً؟ أنا امرأةٌ اختُلست سنون شبابها، وصحتها، وجمالها، وحتى علمها.. ولم أكن أكترث! طالما بذلتُ ومنحتُ، حتى استيقظتُ اليوم على موعد زيارة الطبيب، ليخبرني بصوت واجف أن ما تبقى لي في هذه الحياة هي أيام معدودة!
سقطت دموعي دون إذن.. نظرت حولي فلم أجد أحداً! تساءلت في فزع: منذ قليل كنتم معي، فأين ذهبتم؟ أين سنيني وشبابي؟ أين صحتي؟ أين أنا؟! بالأمس القريب كنتُ هنا.. كنت أنفض غبار الحزن عن قلوبكم، وأغسل حنين الماضي من عيونكم، وأمسح بما تبقى من صدري دموعكم.. فأين أنتم الآن؟!
لقد استنزفتم كل سنيني، والآن أنا بلا أحد! باقيةٌ أيامٌ قلائل وأترككم.. إن لم يكن في نصوص القانون الوضعي مادة تجرمهم، فهل في 'روح القانون' نصٌ يلزمهم برعايتي؟! ولكن.. لله قلبي، ونفسي، وروحي.. أُشهده أنه هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد".
وفجأة.. سقطت المرأة أرضاً. هرع طبيب المحكمة نحوها، وبعد لحظات صمت رهيبة، التفت إلى الحضور وأخبرهم: "لقد وافتها المنية".
طرق القاضي مطرقته بتهدج شديد، كادت معه المطرقة تسقط من يده المرتجفة، وصاح بنبرة مخنوقة بالدموع: سقطت القضية.. لسقوط الضحية! رُفعت الجلسة!
القضية الرابعة: هل خيانة الضمير نص الدستور على مادة بتجريمها؟ وهل قتل الروح رغم حياة الجسد يُعاقب جانيها بالإعدام هجراً، أم بنهب سنينه لذويه؟

نادى الحاجب بصوت يملؤه الوجوم: "القضية الرابعة والأخيرة".
رد الجاني بكبرياء وابتسامة باردة كقلبه: "حاضر يا سيادة القاضي".
نادى محامي المجني عليه: "حاضر".
فرد المجني عليه بنبرة متهدجة: "أنا حاضرٌ بذاتي!".
تعجب القاضي ونظر في الأوراق ثم قال: "ولكن القضية قُيدت كشروع في قتل!".
فأجاب الجاني ببرود: "بل قتل!".
هنا صرخ المجني عليه مستنجداً:
"نعم يا سيادة القاضي.. الذي أمامك الآن هو مجرد جسد، أما روحه فقد فارقته! لقد قتلني دون أن يريق قطرة من دمي، حكم عليّ بالإعدام وأنا على قيد الحياة! نزع الروح من بين ضلوعي وظل يبتسم ويضحك لجرحي.
تذلل لكل من يربطني بهم حبل مودة حتى أقبل أن أمنحه روحي.. قلت له يومها: 'ليس لدي روح أخرى فاحترس'، ووهبته إياها رغم أن كل شيء في صدري كان يصرخ بي: 'لا تفعل!'. لكن كل من حولي صدقوا دموع الثعابين، ولم أجد أمامي إلا أن أخون ضميري وما يلوج في صدري؛ فمن الصعب أن يكون قلبي وحده صادقاً وكل من حولي كاذبين!
صدقتهم وصدقته، وقلت لن يجتمع كل هؤلاء على باطل، وإذاً فخيانة ضميري هنا هي خيانة مشروعة.. ولكن! كان أصدقهم جميعاً هو قلبي. فهذا الخنزير البارد أخذ روحي وبدأ يتلاعب بها يميناً ويساراً، ثم في النهاية رماها من أعلى قمة جبلية، وقال جملته الشهيرة: 'ظننتها سترتد إليّ كالكرة المطاطية، ولكنها تهشمت! ماذا أفعل؟ هذا قدرها.. ولا تقلق، فجسدك لم يصبه مكروه!'.
أين جسدي يا سيادة القاضي؟! كيف لجسدي أن يحيا بلا روح؟ كيف له أن يكمل سنينه؟ كيف؟! هل سيعاقب هذا الطاغية أم يبرأ من فعلته؟!".
في تلك اللحظة، بدأ الجاني يضحك ببرود واستهزاء حتى احمرت أذناه..
طرق القاضي مطرقته بقوة وصاح: "هدوء!".
ثم نظر إلى الضحية بأسى وقال: "لو كنتُ حاكماً على أحد، لملأتُ السجن بك أولاً.. لخيانتك ضمير قلبك!". ثم التفت إلى الجاني وقال بنبرة تزلزل القاعة: "تُبرأ في الأرض.. وتُعاقب في السماء! رُفعت الجلسة!".