بطولات وتحديات.. ما وراء هجوم ميناء دمياط ومخطط جرّ مصر إلى الحرب
في بيئة إقليمية شديدة التوتر والتعقيد، وفي ظل منطقة تعصف بها الحروب والأزمات الاقتصادية والعسكرية متلاطمة الأطراف، جاءت حادثة ميناء دمياط لتسلط الضوء مجدداً على حجم التحديات والاستهدافات التي تواجهها مصر.
لم تكن حادثة استهداف سفينتي الغاز في ميناء دمياط مجرد واقعة عابرة أو خرق أمني عادي، بل كانت محاولة مكتملة الأركان لإحداث انفجار كارثي وتوجيه ضربة قاصمة للاقتصاد المصري والأمن القومي، غير أن العناية الإلهية وبسالة العاملين المصريين أحبطت السيناريو الأشد خطورة.
فما هي التفاصيل الكاملة لما حدث في دمياط؟ وما هي الأهداف العشرة الخفية التي كان يسعى إليها مخطط هذا الهجوم؟ وكيف فشل المخطط بفضل تضحيات أبطال الميدان؟
تفاصيل هجوم ميناء دمياط: لغم بحري وشبهات المعركة:-
بدأت التفاصيل عندما تعرضت سفينتا غاز في ميناء دمياط لاستشهاد هجومي عبر طائرة مسيرة. وكانت إحدى السفينتين مخصصة لعملية "التغويز" (تحويل الغاز السائل إلى صورته الغازية الجاهزة للاستخدام)، بينما كانت الأخرى سفينة لتخزين الغاز ومربوطة بها عبر أنابيب نقل ممتدة.
كانت السفينتان متصلتين ببعضهما البعض، وتحيطان بالعديد من سفن الشحن والتخزين الأخرى في الميناء؛ وهو ما جعل المنطقة بمثابة لغم بحري ضخم موصول ببعضه. لو حدث الانفجار المخطط له في خزان الغاز الرئيسي لأحد السفينتين، لامتدت الموجة الانفجارية بالتتابع إلى بقية السفن المجاورة والميناء بالكامل، ليحدث سيناريو كارثي يشبه إلى حد كبير ما شهده العالم في انفجار مرفأ بيروت عام 2020.

الأهداف الـ 10 الخفية وراء استهداف ميناء دمياط:-
لم تكن العملية تستهدف مجرد تدمير سفينة غاز أو إيقاف منشأة، بل كشف التحليل السياسي والعسكري عن 10 أهداف استراتيجية خطيرة كان يُراد تحقيقها في حال نجاح الهجوم:
تدمير ميناء دمياط وإخراجه تماماً من الخدمة: ضرب شريان تجاري واقتصادي وحيوي مصري ممتد على البحر المتوسط.
ضرب الثقة بين الشعب والجيش: إيجاد حالة من التشكيك الشعبي في قدرة المنظومة الدفاعية على حماية الحدود والمنشآت.
تطفيش شركات الشحن الأجنبية: إرهاب السفن والمؤسسات العالمية المملوكة لشركات أجنبية (كالسفينة اليونانية والأمريكية) لمنعها من العمل في الموانئ المصرية.
سحب الأموال الساخنة: دفع المستثمرين الأجانب للهروب السريع وتفريغ البنوك المصرية من السيولة الدولارية.
إضعاف وتهاوي الجنيه المصري: التسبب في أزمة سعر صرف حادة نتيجة خروج رؤوس الأموال الفجائي.
موجة تضخم غير مسبوقة: ارتفاع أسعار السلع بشكل جنوني يضر بالمعيشة اليومية للمواطن.
تعطيل حركه الملاحة البحرية المصريه: استكمال ضرب حركات النقل والشحن البحري.
شلّ حركة الاقتصاد المصري: مضاعفة الخسائر الاقتصادية لاسيما في ظل الاضطرابات المعقدة الموجودة بمنطقة البحر الاحمر وباب المندب.
ضرب السمعة المصرية كمنطقة آمنة: إلحاق الضرر بالقطاعات السياحية والتجارية والاستثمارية التي تنعم بالاستقرار وسط الإقليم المشتعل.
تثبيط الدولة وجرّ مصر إلى الحرب: وهو الهدف الأهم والأخطر، عبر إجبار الدولة المصرية على الخروج عن سياستها وتحييد استقرارها لجرها مباشرة إلى أتون النزاعات العسكرية الإقليمية.
بسالة العمال المصريين: بطولة أعادت لأذهاننا ملحمة السويس:-
ورغم خطورة ضربة المسيرة، إلا أن الخطأ الفني في مكان الاصطدام، تزامناً مع الشجاعة الاستثنائية للعمال والقائمين على الميناء، حال دون وقوع الفاجعة.
فعوضاً عن الانصياع لخوف الانفجار، سارع القبطان والعمال والمشغلون المصريون – أمثال القبطان عمر والقبطان حسين وعم محمد وعم إسماعيل – بالسيطرة اللحظية على الموقف:
قاموا فوراً بقطع الأنابيب وفصل سفينة التخزين عن سفينة التغويز المشتعلة لمنع انتقال النار.
سحبوا السفينة المشتعلة لمسافة تجاوزت 3.5 كيلومتر داخل عمق البحر، مخاطرين بأرواحهم لحماية الميناء وأهالي دمياط والمنشآت الاقتصادية من موجة انفجارية مدمرة.
لقد ضرب أبطال دمياط أروع أمثلة التضحية الوطنية، وعكسوا الروح ذاتها التي أظهرها أهل السويس وبطلاتها في مواجهة الأخطار السابقة لحماية وطنهم.
تداول المعلومات ورسائل الرعب الإقليمي
أظهرت الأزمة قدرة مؤسسات الدولة المصرية على التعامل بشفافية وعبر مؤتمرات صحفية وُضحت فيها حقيقة الهجوم وتفاصيله أمام الرأي العام الداخلي والخالمي، متجاوزين الشائعات ومؤكدين استمرار حركه الملاحة والتحقيقات لتعقب جهة الانطلاق سواء كانت عناصر تخريبية داخلية أو اختراقاً خارجيًا.
وفي المقابل، عكس المشهد حالة من التوجس والاستنفار لدى مختلف الأطراف الإقليمية والدولية؛ حيث سارعت جهات عدة لنفي مسؤوليتها عن الواقعة، إدراكاً منها لقوة وحجم الرد المصري المحتمل حينما يتعلق الأمر بمساس أمنها القومي وسيادتها.
قوة التماسك في مواجهة الأزمات
تثبت الأحداث متتابعة أن الدولة المصرية تستند إلى تاريخ ممتد من الصلابة، وإلى شعب يدرك قيمة الاستقرار ويضحي أبناؤه في اللحظات الفارقة لحماية مقدرات بلادهم. لقد فشل مخطط تدمير الميناء، وخرجت مصر من هذه التجربة وهي أكثر يقظة وحرصاً على حماية ثرواتها وموانئها.