فلسفة فاكو  والا نهماك بالذات

فلسفة فاكو والا نهماك بالذات

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

فلسفة الانهماك بالذات عند فوكو

 

كيف يتشكل الإنسان كذات أخلاقية وسط شبكات السلطة المعقدة؟ هذا السؤال شكّل انعطافة مهمة في مسار الفيلسوف ميشيل فوكو خلال الثمانينيات، حين انتقل من تحليل آليات الهيمنة والمؤسسات العقابية إلى البحث في الطريقة التي يبني بها الفرد نفسه. لاحظ فوكو أن السلطة لا تعمل عبر القمع وحده، بل عبر توجيه الأفراد في تشكيل ذواتهم، وهو ما دفعه للعودة إلى الفلسفة الإغريقية والرومانية لاستكشاف ما أسماه "جمالية الوجود".

 

ظهر هذا التحول في فكر فوكو نتيجة إدراكه لقصور المقاربات التي تكتفي بدراسة السلطة بمعزل عن الذات. يرى فوكو أن مجالات التجربة (السلطة، الحقيقة، والفرد) لا يمكن أن تُفهم إلا في تقاطعها، وليس في انفصالها. قاده هذا الإدراك إلى صياغة إشكالية جديدة تتمثل في "تشكل الذات" أو "التذويت". ولتحقيق ذلك، اتجه فوكو نحو التاريخ القديم، وتحديداً الفترتين الإغريقية والرومانية، متجاوزاً التركيز الحصري على الغرب المعاصر، ليبحث في كيفية ممارسة القدماء لـ "الانهماك بالذات" (Le souci de soi). لم يكن هذا الانتقال مجرد تأريخ لفلسفة قديمة، بل محاولة لفهم كيف يمكن للفرد أن يجعل من حياته عملاً فنياً مستقلاً عن الإكراهات المؤسساتية

.

لا يعني الانهماك بالذات عند فوكو شكلاً من أشكال الأنانية أو الانعزال النرجسي، بل هو ممارسة عقلانية نشيطة وفعالة. يطرحه فوكو باعتباره مجموعة من الإجراءات والممارسات التي ينجزها الفرد على نفسه لكي يتمكن من الوصول إلى الحقيقة وتطوير كينونته. ولتجسيد هذه الممارسة (كتابة المذكرات، محاسبة النفس المسائية، التأمل المسبق في الموت، والإنصات)، استلهم فوكو الفلسفات الرواقية والأبيقورية، حيث تصبح الفلسفة "مستشفى للروح" يعالج بها الإنسان ذاته. هذه التقنيات هي التي تنتج "جمالية الوجود"، حيث لا يخضع الفرد لقواعد مفروضة من الخارج فحسب، بل يمارس اختياراً شخصياً يحول حياته إلى مادة لعمل فني وجمالي.

 

تبرز في فلسفة فوكو مواجهة فكرية بين نموذج "الروحانية القديمة" ونموذج "العقلانية الحديثة" الذي أسسه رينيه ديكارت. يجادل فوكو بأن الفلسفة القديمة كانت تشترط تحولاً أخلاقياً وروحياً في ذات الفرد لكي يتمكن من بلوغ الحقيقة (الروحانية). أما ديكارت، فقد أحدث عبر مساره الفلسفي قطيعة يسميها فوكو "اللحظة الديكارتية"، إذ أقصى مبدأ الانهماك بالذات وجعل "المعرفة بالذات" (متمثلة في العقل المفكر) هي الشرط الوحيد للوصول إلى الحقيقة، دون حاجة لأن يغير الفرد من أخلاقه أو كينونته. يفسر هذا التضاد، من وجهة نظر فوكو، كيف فقدت الفلسفة الحديثة طابعها الروحي وتحولت إلى تراكم معرفي لا يستلزم بالضرورة تحولاً أخلاقياً من طرف الذات.

 

إن مشروع فوكو المتأخر ليس دعوة للعودة إلى الماضي، بل تذكير نقدي بأن الحرية ليست مجرد التخلص من القيود السياسية، بل هي في جوهرها ممارسة إيتيقية يومية يمارسها الفرد على ذاته. الانهماك بالذات، وفق هذه القراءة، هو أحد الأركان التي تحد من قدرة السلطة على استيعاب الفرد بالكامل

 

image about فلسفة فاكو  والا نهماك بالذات

ميشيل فوكو، الانهماك بالذات: جمالية الوجود وجرأة قول الحقيقة، محمد ازويتة، أفريقيا الشرق، 2015.

 

#ميشيل_فوكو #جمالية_الوجود

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
gamal afifi تقييم 0 من 5.
المقالات

2

متابعهم

5

متابعهم

24

مقالات مشابة
-