محمد حسن العواد: رائد التجديد الشعري في الأدب السعودي الحديث.

ولد ( محمد حسن عواد ) عام ١٩٠٢ ( ١٣٢٤ هـ ) في مدينة جدة ، عروس البحر الأحمر ، ومفتاح الساحل الحجازي بأجمعه، وكانت جدة ولا تزال تتمتع بأهمية حيوية لكونها نقطة الاتصال بين المملكة والعالم الخارجي كميناء تجاري حساس ، فعن طريقها تنقل البضائع الى المملكة وعن طريقها أيضا يقدم الحجاج كل عام لتأدية مناسك الحج والعمره .
وكان والده قاسم عواد ـ رحمه الله ـ من رجال البحر الذين يمتلكون بعض السفن الشراعية الصغيرة المسماة (سنابيك) ويعمل بالميناء ( مقدما ) أى رئيسا لأصحاب هذه السفن التي تنقل بضائع التجار من البواخر الى الميناء ... وشاء القدر ان يحرم العواد من حنان الابوة منذ الطفولة المبكرة ، فعرف معنى اليتم والحرمان اذ لم يتمتع برعاية والده الا سنوات قليلة فلم يكن عمره يتجاوز السنوات العشر عندما اختار الله والده لجواره فكفلته أمه وخاله التاجر الحجازي الذائع الصيت ( محمد عبيد بن زقر ) فأحسنا رعايته والاعتناء به ، وكان أبوه قد أسلمه قبل وفاته بسنوات الى خطاط ( كاتب ) ليعلمه الكتابة ، أما القرآن فكان يتعلمه في كتاب المعلم ( خليل أحمد ) وهو صاحب أحد الكتاتيب التي كانت من أكثر الوسائل التعليمية شيوعا ، وقد عرف هذا النمط من المعاهد التعليمية بجميع البلاد التي خضعت للحكم العثماني ومنها الحجاز وشمال افريقيا .
والقاريء لسيرة العواد يجد ان حرمانه لوالده في الصغر خلق منه رجلا عصاميا ، يحب الاعتماد على نفسه ، صعب المراس ، حاد المزاج ، يكره الذل والهوان ويصر ان يكون جبارا امام المشكلات والقوى التي اعترضت سبيل حياته .
ويبدو أن اقامة العواد في ( الكتاب ) لم تطل كثيرا لانه التحق بمدرسة الفلاح بجدة في سن مبكرة ، والحقيقة ان مدارس الفلاح في كل من جدة ومكة من أولى المدارس التي هيأت للبلاد خيرة الرجال والمثقفين والقادة والعلماء الذين كانوا نواة النهضة الحضارية الحديثة فخريجوها هم اليوم الوزراء والوكلاء والعلماء والادباء والرعيل الاول الذي حمل على عاتقه عبء النهضة الفكرية والادبية واذاعتها في طول البلاد وعرضها ومن المعروف أن هذه المدارس قد أسسها المحسن الكبير الحاج محمد على زينل واخذ ينفق عليها من ماله الخاص اكثر من ربع قرن وتفانى في العناية بها .
ويبدو أن الشاعر العواد كان موضع اهتمام ورعاية مدرسية لما بدا عليه من ملامح الذكاء المتوقد والشاعرية المبكرة التي تفتق عنها ذهنه وهو ما زال حديث السن لم يتجاوز العاشرة من عمره فدل هذا على عبقرية ونضج فكرى قبل الاوان يسترعى الانتباه ويستوجب الاهتمام . وكان شعره اذ ذاك يدور حول الغرام الذي تفتح له قلبه صغيرا ، ثم حول السخرية والهجو البرىء الموجهين لبعض كبار التلاميذ الذين كانوا يحاولون معاكسته لنبوغه ، ثم انصرف عن هذا الى النظم في المدرسة والعلم والاخلاق
وشخصيات المعلمين والرئيس . وقد نظم في تلك الفترة حياته قصائد ومقطوعات تهذيبية كان يلقي بعضها على زملائه التلاميذ في الاحتفالات الأسبوعية للمدرسة ومنها هذه المقطوعة في مدح المدرسة ورئيسها ومديرها وأساتذتها .. يقول في بعض أبياتها:
بلغت غدوتنا المقصود والأربا ي ا من تسنم هام الفضل محتسبا
(محمد) حمدت منك الخصال كذا عقبى امرىء في سبيل الخير قد تعبا
ويا (علي) لك العلياء قد نصبت سرادق العزة القعساء فانتصبا
وله مقطوعة في وصف التاريخ يقول في بعض أبياتها:
اجنح الى التاريخ واستقره وابحث عن المكنون من سره
علم يزيد المرء في نبله ويرفع الساقط من قدره
كان من يدرسه جـاهـداً يحيى رفات الميت في قبره
وحسب رب اللب من فضله ما قاله الشـاعر في شعره:
" ليس بانسـان ولا عـاقل من لم يع التاريخ في صدره"
"ومن درى أخبار من قد مضى أضاف أعماراً الى عمره"
ولشدة إعجاب مدرسيه به وبعد انتهائه من الصف السابع اقترحوا على وكيل المدرسة الشيخ عبد الرؤوف جمجوم أن يوظفه معلماً رغم صغر سنه نظراً لما لمسوا فيه من القدرة، فاستحسن الوكيل الفكرة وتحقق لشاعرنا شرف الانتساب الى الهيئة التدريسية بهذه المدرسة، فانتقل من مقعد الطالب الى مقعد المعلم "فكان ذلك موافقاً لارادة والدته التي طالما حالت دون إرساله مع احدى البعثات الى الخارج بدافع من حنان الامومة وعواطفها المتدفقة نحو وحيدها".
كان العواد يميل لى النحو والمنطق والتاريخ والعلوم العقلية التي لا تتطلب حفظ النصوص لأن الحفظ الصم يضايقه. «ومن أساتذته في المنطق والنحو وعلوم البلاغة الاستاذ حسين ابراهيم مطر مدير مدرسة الفلاح وتلميذ العلامة سليم البشري شيخ علماء الازهر ومفتيه، ومن أساتذته أيضاً الشيخ احمد الزهراء وهو من أفخاذ الرجال بمختلف الروايات ومن أذكياء العلماء متخرجي الازهر .. وكان يعجب بالعواد ولا يدعوه الا بكلمة (الأفندى) تدليلاً واعجاباً ... ومن أساتذته العلامة يوسف الزبيدي أحد أفخاذ علماء اليمن».
ولا غرو أن العواد قد أفاد من أساتذته فائدة عظيمة ظهر اثرها في كتاباته ومقالاته التي أخذت تملأ أعمدة الصحف والمجلات ثم مؤلفاته التي أخذت تغزو الاسواق وعن طريق زمالة المدرسة والتدريس تعرف واصطحب مع أول شاعر عرفه من أدباء الحجاز المرحوم الشاعر «حمزه شحاته» وقامت بينهما علاقة وثيقة.
وعندما أشرف العواد على السابعة عشرة من عمره ذهب مع أهله الى الحج وكانت شهرته قد سبقته الى مكة بوساطة المكاتبات، فطابت له الاقامة هناك وتعرف الى القلة المشهورة والمعروفة من الادباء الذين لم يكن ثم ادباء سواهم على الاطلاق ومن بينهم (محمد سرور الصبان، ومحمد سعيد العمودي، ومحمد عمر عرب، وعبد الوهاب آشى) وكان هؤلاء يزاولون الأدب والكتابة متعاونين متفاهمين مشاركين في الإنتاج .. ويشير العواد لذلك بقوله : « كنا نجتمع في ندوة أدبية في مكان في محلة جرول بعد عصر كل يوم ، وكانوا قليلي العدد لا يزيدون على أربعة وهم عمر عرب ومحمد سرور الصبان وعبد الوهاب آشي وعبد الله فدا ... فكان كل منهم يتخذ لنفسه اسماً أدبياً مستعاراً فكان الاسم الأدبي لعمر « زهير الصغير » ولمحمد سرور « أبا فراس » ولعبد الوهاب « نعيمه القصير » ومن هذه التسمية يستطيع الناقد أن يستشف النزعة الأدبية التي ينزع إليها كل من هؤلاء فاختيار عمر لاسم زهير يدل على ميله نحو الوجدانية والأناقة والصفاء وهي الصفات التي يحملها شعر البهاء زهير ... واختيار محمد سرور لاسم أبي فراس يدل على ميله الى الارستقراطية الشخصية والحنين القومي والوطني كأبي غراس ... واختيار الآشي لاسم نعيمه القصير يدل على إعجابه بمخائيل نعيمة ».
ويحدثنا العواد في سياق حديثه عن ذكريات شبابه وصداقته للشاعر السعودي عمر عرب عن الجو الفكري الخانق الذي كانت غيومه تؤذى أرواح الشبيبة وتدفعها الى الثورة على كل شيء يتصل بالروح والفكر والقلم ، كالثورة على التقليد الديني والتعبد للأشياخ والثورة على أدب (الاكليشيهات) وشعر التخميس والتشطير وحصر الآثار الشعرية في أدب العاطفة.
وقد شعر العواد بأن ما تقدمه المدرسة من غذاء فكري محدود لا يشبع نهمه للفكر والاطلاع ، فبدأ يبحث عن الكتب ويخالط العلماء ويحتك بالأدباء المعروفين بحرية الرأي . وعرف عنه شغفه الشديد بالقراءة فلم يصل الى يده أي كتاب الا قرأه واستوعبه وأبدى رأيه فيه ، وكان يحصل على هذه الكتب بالشراء تارة ، وبالإهداء تارة أخرى ، ويذكر لنا حادثة طريفة استوجبت إهداءه كتاب « كنز العلوم » لفريد وجدى فيقول :
" كنت طالباً في الفلاح ، وقد زار المدرسة السيد / يوسف زينل مع بعض الوجهاء الأجانب وألقوا على الطلبة أسئلة لم يجب عليها اجابة ممتازة غيري فكنت في نظره منقذاً لسمعة المدرسة التي كان شقيقه مؤسسها ورئيسها وكان هذا الكتاب الهدية تعبيراً عن شكره لهذا الانقاذ » وقد قرأ في هذه الآونة من مطلع حياته الأدبية كتباً كثيرة يذكر منها « القصص والروايات البوليسية والتاريخية وكتاب المستطرف ، واعلام الناس وديوان المتنبي والبهاء زهير ونظرات المنفلوطي ثم مجاني الأدب للأب لويس شيخو ودرجات الانشاء لنجيب حبيقة ومنتخبات أديب اسحق وبعض معاجم اللغة ، ورسائل البلغاء لمحمد كرد علي وتاريخ ابن خلكان .. ثم كتب العقاد والمازني وطه حسين ، والدكتور شبلي شميل ولزوميات المعرى ودواوين ابن الرومي والبحتري وأبي تمام وبشار وأبي نواس .. ثم التجديد في الأدب الإنجليزي
وتاريخ أوروبا السياسي وإلياذة هوميروس والكوميديا الإلهية «أو الملهاة المقدسة» لدانتي.. ثم كتب الفلسفة والمذاهب الفكرية والاجتماعية» .
المرجع:
ص ص: 42-36
العواد في عالم الأدب، لطلال عبدالرؤوف الريناوي ، رسالة مقدمة لمعهد الدراسات الشرقية (الجامعة اليسوعية – بيروت) سنة 1977م،