فن السرد: لماذا نروي القصص؟

فن السرد: لماذا نروي القصص؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

فن السرد: لماذا نروي القصص؟

 

منذ أول شرارة نار التفت حولها البشرية، والإنسان مهووس بالقصص. وقبل وقت طويل من ظهور اللغات المكتوبة، أو المكتبات الرقمية، أو خوارزميات التواصل الاجتماعي، كان لدينا الكلمة المنطوقة والظلال المتراقصة على جدران الكهوف.

لكن رواية القصص ليست مجرد تسلية أو وسيلة للترفيه؛ بل هي جزء أساسي من بنائنا المعرفي. نحن لا نروي القصص فحسب، بل نحن أنفسنا نتاج هذه القصص.

الدماغ ورواية القصص

عندما نستمع إلى عرض توضيحي جاف مليء بالنقاط والبيانات، تنشط منطقتان محددتان في الدماغ: منطقة بروكا (Broca’s area) ومنطقة فيرنيكه (Wernicke’s area). ببساطة، يقوم الدماغ بمعالجة الكلمات لمعرفة معناها فقط، وينتهي الأمر عند هذا الحد.

ومع ذلك، عندما نندمج في رواية قصة، يتغير كل شيء تماماً:

التفاعل الحسي: إذا وصفت القصة رائحة خبز ساخن طازج، تنشط القشرة الشمية في الدماغ. وإذا وصفت شخصية تركض في غابة كثيفة، تتحفز القشرة الحركية.

تأثير الاقتران العصبي (Neural Coupling): يبدأ دماغ المستمع بمحاكاة دماغ الراوي، مما يخلق تجربة معرفية مشتركة بينهما.

المزيج الكيميائي: تحفز الرواية المشوقة إفراز هرمون الكورتيزول (الذي يساعدنا على التركيز أثناء لحظات التوتر) وهرمون الأوكسيتوسين (الهرمون المسؤول عن التعاطف والترابط).

باختصار، القصة الجيدة تخدع عقولنا لتجعلنا نشعر وكأننا نعيش الأحداث بأنفسنا.

هيكل الحقيقة العالمية

على الرغم من تنوع تصنيفات القصص، فإن الهيكل الأساسي للقصة العظيمة يظل ثابتاً بشكل مذهل. في كتابه الشهير البطل بألف وجه، حدد باحث الأساطير جوزيف كامبل ما يُعرف بـ "الأسطورة أحادية البنية" (Monomyth) أو (رحلة البطل).

من الملاحم القديمة في بلاد ما بين النهرين إلى الأفلام السينمائية الضخمة اليوم، تظل الخطوات هي نفسها:

[العالم الاعتيادي] ➔ [نداء المغامرة] ➔ [عبور العتبة] ➔ [الامتحان المرير] ➔ [العودة بالإكسير]

لماذا يستمر هذا الهيكل المحدد عبر آلاف السنين وفي ثقافات منفصلة تماماً؟ لأنه يعكس بدقة رحلة النمو النفسي للإنسان. فجميعنا نواجه تغيرات غير متوقعة (النداء)، وعلينا جميعاً مواجهة أعمق مخاوفنا (الامتحان)، وكلنا نأمل أن نخرج من الجانب الآخر أكثر حكمة (العودة).

التطور الرقمي

اليوم، تغيرت الوسيلة؛ فقد انتقلنا من التقاليد الشفهية إلى الورق، ثم إلى شاشات السينما، والآن إلى البكسلات والذكاء الاصطناعي. إن إتاحة أدوات الابتكار للجميع تعني أن أي شخص يملك هاتفاً ذكياً أو اتصالاً بالإنترنت يمكنه بناء عالم كامل، أو تصميم ملحمة بصرية، أو مشاركة تفاصيل حياته مع الملايين في لمح البصر.

ومع ذلك، ورغم تطور وسائل العرض عالية التقنية، فإن الجوهر الأساسي المطلوب في أي قصة لم يتغير منه حرف واحد: يجب أن تجعلنا نشعر بشيء ما.

"سيتناسى الناس ما قلته، وسينسى الناس ما فعلته، لكنهم لن ينسوا أبداً كيف جعلتهم يشعرون." — مايا أنجيلو

الكلمة الأخيرة

في عالم يزداد تشبعاً بالمعلومات والبيانات، يمكن للحقائق الجافة أن تتحول إلى مجرد ضوضاء عابرة. أما القصة فتظل راسخة في الوجدان؛ إنها تعمل كجسر يربط بين العقول، وتسمح لنا بالخروج من تجاربنا الشخصية لنرى الكون لفترة وجيزة من خلال عيون شخص آخر.

سواء كنت تكتب رواية، أو تخرج فيلماً قصيراً، أو تصمم عملاً فنياً بصرياً، أو حتى تروي نكتة لأصدقائك، فأنت تشارك في أقدم وأعرق تقليد إنساني على وجه الأرض..

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
jacceptinaa تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

2

متابعهم

2

مقالات مشابة
-