فراغ اليقين: لماذا ثقتنا المطلقة هي أكذوبتنا الكبرى؟

فراغ اليقين: لماذا ثقتنا المطلقة هي أكذوبتنا الكبرى؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about فراغ اليقين: لماذا ثقتنا المطلقة هي أكذوبتنا الكبرى؟

فراغ اليقين: لماذا ثقتنا المطلقة هي أكذوبتنا الكبرى؟

منذ أن نولد ونفتح أعيننا على هذا العالم الفسيح، وحتى نصل إلى مرحلة النضج الفكري، نتعلم أن الأمان الحقيقي يكمن في اليقين. نبحث بيأس عن إجابات قاطعة لا تقبل الجدل، ونتمسك بمعتقدات صلبة لا تتزحزح، ونعشق القناعات الحديدية التي تمنحنا شعورًا زائفًا بالسيطرة. هذا هو المسار الطبيعي الذي ترسمه لنا الأسرة والمدرسة والمجتمع: كن واثقًا، كن صلبًا، لا تتردد.

 لكن تأمل معي هذه المفارقة الفلسفية العميقة: كلما زاد يقين المرء، ضاقت مساحة عقله وتقلصت قدرته على رؤية الصورة الكاملة. اليقين المطلق ليس قمة المعرفة كما يُصورونه لنا، بل هو بمثابة جدار فولاذي يبنيه الشخص حول دماغه لحمايته من قلق الأسئلة الوجودية، لكنه في الوقت نفسه يحرمه من هواء الحقيقة النقي ومن نسيم الاحتمالات الجميلة.

 

الإنسان الواثق مئة بالمئة من صحة رأيه السياسي أو الديني أو حتى الشخصي، هذا الإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل يرى فقط انعكاس خوفه العميق على سطح مرآته الداخلية. إنه لا يحاور ليصل إلى الحقيقة، بل يحاور ليفرض حقيقته هو، لأن أي هزة في يقينه تعني هزة في وجوده بالكامل. الفيلسوف البريطاني الكبير برتراند راسل كتب ذات مرة جملة شديدة العمق والبصيرة:

 "المشكلة الأساسية في هذا العالم هي أن الأغبياء واثقون جدًا بأنفسهم، بينما الأذكياء ممتلئون بالشك". الشك في هذا السياق ليس مرضًا نفسيًا ولا ترددًا مرضيًا، بل هو أداة جراحية معرفية، وأداة تشريح فلسفية تجعلك ترى ما وراء الجلد. أن تتقبل فكرة أنك قد تكون مخطئًا في أعمق قناعاتك، هذه ليست هزيمة، بل هي التحرر الوحيد الحقيقي. عندما تتوقف عن الدفاع المستميت عن صورتك المثالية وعن رأيك الذي بنيت عليه هويتك، تبدأ فورًا في رؤية أبعاد جديدة للحياة لم تكن تعلم بوجودها.

 

الفراغ الذي يتركه اليقين المطلق في روحك ليس مخيفًا ومظلمًا كما تتصور، بل هو مساحة خصبة للدهشة، ومختبر واسع للإبداع، ومحيط هادئ للتأمل الحقيقي. كن كالماء، بلا شكل ثابت نهائي، يتكيف مع كل وعاء، شفاف تمامًا يرى من خلاله الآخرون أعماقك كي يتعلموا، لا جدارًا صلبًا يصطدمون به فينكسرون أو تنكسر. تذكر دائمًا: الصخرة صلبة جدًا وتظن نفسها قوية، لكنها في النهاية تنكسر وتتحطم أمام قوة الزمن، أما النهر المتواضع فيلتف حول العوائق وينتصر بهدوء وثبات.

 

المفارقة الكبرى أن أكثر الناس تشبثًا بآرائهم هم في الغالب أكثر الناس خوفًا من مواجهة أنفسهم. اليقين هنا ليس قوة، بل هو درع هش يخفي تحته روحًا مرتعبة لا تتحمل فكرة أنها قد تكون على خطأ. لماذا؟ لأن الإنسان يبني هويته كاملة على مجموعة من القناعات، وأي تهديد لهذه القناعات يشعر كأنه تهديد مباشر لوجوده. هنا يصبح الرأي المخالف ليس مجرد فكرة مختلفة، بل عدوًا وجوديًا يجب سحقه. هذه هي جذور التطرف الفكري التي نراها في كل مكان، من السياسة إلى الدين إلى أبسط نقاشات الحياة اليومية. الحل يبدأ من الشجاعة الداخلية، أن تجلس مع نفسك وتسألها بصدق: "ماذا لو كنت مخطئًا؟". هذا السؤال البسيط هو المفتاح الذي يفتح أبواب الحكمة الحقيقية. لا تخف من أن تكون في منطقة الرمادي، فالحياة ليست أبيض وأسود فقط. تقبل أنك قد لا تعرف كل الإجابات، وهذا بحد ذاته أعلى درجات المعرفة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
حازم حسين على حسين تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

3

متابعهم

1

مقالات مشابة
-