هل تتحكم البكتيريا في عقولنا؟ كشف أسرار الدماغ الثاني ومحور الأمعاء
داخل جسم الإنسان، وتحديدًا في أعماق الجهاز الهضمي، تعيش تريليونات الكائنات المجهرية التي تشكل ما يُعرف بالميكروبيوم (Microbiome). سنوات طويلة، انحصر دور هذه الكائنات في عملية الهضم، لكن العلم الحديث فجر مفاجأة كبرى: البكتيريا تؤثر على الأعصاب بل وقد تتدخل في تشكيل مشاعرنا وأفكارنا.
بواسطة شبكة معقدة تسمى محور الأمعاء والدماغ، يتبادل «الدماغ الثاني» الإشارات مع العقل البشري عبر العصب الحائر؛ ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم العلاقة بين صحة الأمعاء والصحة النفسية، وما إذا كانت البكتيريا النافعة هي السر وراء شعورنا بالسعادة أو القلق.
هل البكتيريا تؤثر في الأعصاب؟
داخل جسم الإنسان تعيش تريليونات الكائنات المجهرية، ومعظمها ليس في الدم أو الرئتين كما قد يظن البعض، بل داخل الأمعاء.
وتُعرف هذه المجتمعات الهائلة من البكتيريا باسم: الميكروبيوم (Microbiome).
ولسنوات طويلة اعتقد العلماء أن دور هذه البكتيريا يقتصر على المساعدة في الهضم وتنظيم بعض وظائف المناعة، لكن الأبحاث الحديثة بدأت تكشف صورة أكثر غرابة وتعقيدًا:
هل يمكن أن تؤثر البكتيريا فعلًا في أفكارنا ومشاعرنا وحتى قراراتنا؟
قد تبدو الفكرة وكأنها جزء من فيلم خيال علمي، إلا إن دراسات متزايدة تشير إلى وجود علاقة عميقة بين الأمعاء والدماغ، لدرجة أن بعض الباحثين بدأوا يصفون الأمعاء بأنها: «الدماغ الثاني» للجسم.
لكن كيف يمكن لكائنات مجهرية داخل الأمعاء أن تؤثر في العقل البشري؟
ما هو محور الأمعاء - الدماغ؟
اكتشف العلماء أن الدماغ والجهاز الهضمي مرتبطان بشبكة اتصال معقدة تُعرف باسم: Gut-Brain Axis أو «محور الأمعاء والدماغ».
ويشمل هذا النظام:
- الأعصاب.
- الهرمونات.
- الجهاز المناعي.
- الإشارات الكيميائية التي تنتجها البكتيريا نفسها.
ومن أهم هذه الروابط: العصب الحائر (Vagus nerve) وهو واحد من أطول الأعصاب في الجسم، وينقل إشارات مستمرة بين الدماغ والأمعاء.
بمعنى آخر: الأمعاء لا تستقبل الأوامر من الدماغ فقط، بل ترسل معلومات إليه أيضًا طوال الوقت.
البكتيريا التي تنتج مواد تؤثر في الدماغ
المفاجأة الأكبر أن بعض أنواع البكتيريا تستطيع إنتاج مركبات كيميائية مرتبطة بالمزاج والسلوك.
فعلى سبيل المثال، تشير أبحاث إلى أن بعض بكتيريا الأمعاء تسهم في إنتاج:
- السيروتونين.
- الدوبامين.
- GABA.
وهي مواد تؤدي دورًا مهمًا في:
- المزاج.
- القلق.
- النوم.
- الشهية.
- التحفيز العصبي.
هل البكتيريا النافعة ترفع هرمون السعادة؟
تشير بعض الدراسات إلى أن البكتيريا النافعة قد تساعد بصورة غير مباشرة في تعزيز إنتاج السيروتونين المعروف باسم «هرمون السعادة»، لأن نسبة كبيرة من السيروتونين تُنتج داخل الجهاز الهضمي.
ثم إن توازن الميكروبيوم قد يسهم في تحسين المزاج وتقليل التوتر، لكن العلماء يؤكدون أن الأمر لا يزال قيد الدراسة ولم يصل إلى نتائج نهائية مؤكدة.
وفي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة Cell، لاحظ باحثون أن تغيير تركيبة بكتيريا الأمعاء لدى فئران التجارب أدى إلى تغيرات واضحة في السلوك الاجتماعي والاستجابة للتوتر.
وأظهرت الدراسة أن بعض الإشارات البكتيرية أثرت مباشرة في مناطق داخل الدماغ مرتبطة بالمكافأة واتخاذ القرار.
هل تتحكم البكتيريا فعلًا في قراراتنا؟
حتى الآن، لا توجد أدلة علمية تقول إن البكتيريا «تتحكم» بالبشر بالطريقة الدرامية التي تصورها بعض المنشورات على الإنترنت.
لكن كثيرًا من العلماء يعتقدون أن الميكروبيوم قد يؤثر بصورة غير مباشرة في:
- المزاج.
- الرغبة في الطعام.
- مستويات القلق.
- التوتر.
- بعض أنماط السلوك.
فعلى سبيل المثال، اقترحت بعض الدراسات أن أنواعًا معينة من البكتيريا قد ترتبط بزيادة الرغبة في أطعمة محددة تساعدها على البقاء داخل الأمعاء.
ما أنواع البكتيريا المرتبطة بالاكتئاب؟
وجدت بعض الأبحاث أن انخفاض أنواع معينة من البكتيريا النافعة داخل الأمعاء قد يرتبط بزيادة احتمالية الإصابة بالاكتئاب واضطرابات المزاج. ومن بين الأنواع التي دُرست في هذا المجال: Lactobacillus ،Bifidobacterium.
فيعتقد الباحثون أن هذه البكتيريا قد تؤثر في الإشارات العصبية والالتهابات وإنتاج بعض المواد الكيميائية المرتبطة بالحالة النفسية. ومع ذلك، لا تزال العلاقة العلمية معقدة ولم تُحسم بشكل كامل.
كما لاحظ باحثون أن اضطراب الميكروبيوم يرتبط أحيانًا بحالات مثل:
- الاكتئاب.
- القلق.
- التوحد.
- السمنة.
- اضطرابات النوم.
لكن العلماء يحذرون من المبالغة، لأن العلاقة لا تزال معقدة جدًا ولم تُفهم بالكامل بعد.
أي نوع من البكتيريا يهاجم الأعصاب؟
توجد بعض أنواع البكتيريا التي قد تؤثر في الأعصاب أو الجهاز العصبي عند الإصابة بها، ومن أشهرها:
- بكتيريا Clostridium tetani المسببة لمرض الكزاز، والتي تؤثر في الجهاز العصبي وتسبب تشنجات خطيرة.
- بكتيريا Mycobacterium leprae المسببة للجذام، والتي قد تهاجم الأعصاب الطرفية.
- بعض أنواع البكتيريا المسببة لالتهاب السحايا، والتي قد تؤثر في الدماغ والأعصاب مباشرة
لكن هذه الحالات تختلف عن تأثير بكتيريا الأمعاء الطبيعية؛ لأن الحديث هنا يتعلق بعدوى مرضية وليست بالبكتيريا النافعة الموجودة داخل الجهاز الهضمي.
هل البكتيريا تؤثر على النفسية؟
تشير الدراسات الحديثة إلى أن توازن البكتيريا داخل الأمعاء قد يؤثر في الحالة النفسية بدرجات مختلفة، بسبب ارتباط الأمعاء بالدماغ عبر الأعصاب والهرمونات والإشارات الكيميائية.
وقد ربطت بعض الأبحاث بين اضطراب الميكروبيوم وارتفاع مستويات القلق والتوتر والاكتئاب، إلا إن العلماء يؤكدون أن العوامل النفسية تبقى معقدة ومتعددة، ولا يمكن اختزالها بالبكتيريا وحدها.
هل يمكن علاج الأمراض النفسية عبر الأمعاء؟
هذا السؤال أصبح من أكثر المجالات إثارة في الطب الحديث.
ففي السنوات الأخيرة، بدأت تجارب تدرس ما إذا كان تعديل بكتيريا الأمعاء قد يساعد مستقبلًا في تحسين بعض الاضطرابات النفسية والعصبية.
ويُعرف هذا المجال باسم: Psychobiotics أي «البكتيريا النفسية».
وفي دراسة حديثة من جامعة Stanford عام 2025، أظهرت تجارب أولية أن تعديل الميكروبيوم ساعد بعض المرضى على تحسين أعراض القلق واضطرابات المزاج بدرجات متفاوتة.
ويدرس العلماء إمكانية استخدام: البروبيوتيك أو التغذية أو زراعة الميكروبيوم أو جزيئات تنتجها البكتيريا وسائل علاجية مستقبلية، لكن الطريق لا يزال طويلًا قبل الوصول إلى علاجات مؤكدة وفعالة.
لماذا يثير هذا المجال كل هذا الاهتمام؟
لأن ما يحدث داخل الأمعاء قد يكون أكثر ارتباطًا بالدماغ مما تخيل العلماء لعقود.
بل إن بعض الباحثين يعتقدون أن تطور الإنسان نفسه ربما تأثر جزئيًا بالعلاقة الطويلة بين الجهاز العصبي والكائنات المجهرية التي تعيش داخله.
ومع ذلك، يؤكد العلماء أن الإنسان لا يتحول إلى «دمية تتحكم بها البكتيريا»، بل إن الأمر يتعلق بشبكة معقدة من التأثيرات البيولوجية المتبادلة، قد يكون أكثر ما يثير الدهشة أن جزءًا من مشاعرنا وسلوكنا قد يتأثر بكائنات مجهرية لا نراها أصلًا. لكن على الرغم من كل الاكتشافات الحديثة، لا يزال الدماغ البشري أكثر تعقيدًا بكثير من أن تختصره بكتيريا وحدها.
في الختام، يظهر لنا العلم يومًا بعد يوم أن أجسادنا هي أنظمة بيولوجية فائقة التعقيد، حيث تتشابك فيها حياة الكائنات المجهرية مع أعمق وظائفنا العصبية. ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا أمام مجال «البكتيريا النفسية» (Psychobiotics) لتقديم علاجات نهائية، فإن الحقيقة الثابتة هي أن العناية بأمعائنا هي جزء لا يتجزأ من العناية بعقولنا.
يبقى الدماغ البشري سيد القرارات، لكن يبدو أن تلك الكائنات الصغيرة التي تسكننا تمتلك «صوتًا» مسموعًا في توجيه بوصلة حياتنا اليومية.
المصدر العلمي : Symbiotic gut microbes modulate human metabolic phenotypes - PMC
