الأمان المشوه في الالم المعتاد

الأمان المشوه في الالم المعتاد
الأمان المشوه: عندما تصبح المعاناة هي “المنطقة الدافئة”
يُعرف الأمان في علم النفس بأنه الحالة التي يغيب فيها التهديد ويحل محلها الاستقرار. لكن، ماذا يحدث عندما ينقلب هذا المفهوم ليصبح الألم نفسه هو مصدر الشعور بالاستقرار؟ هنا يظهر ما نسميه "الأمان المشوه"، وهي حالة نفسية معقدة تجعل الإنسان يختار "الجحيم المألوف" بدلاً من "النعيم المجهول".
1. سيكولوجية الألفة: لماذا نعشق قيودنا؟
العقل البشري مبرمج على تفضيل القدرة على التوقع (Predictability) على أي شيء آخر. بالنسبة للجهاز العصبي، "المجهول" يعني خطراً محتملاً، حتى لو كان هذا المجهول هو "السعادة".
في حالة الأمان المشوه، يرتبط مفهوم الراحة لدى الشخص بالألم الذي اعتاد عليه منذ الطفولة أو عبر تجارب قاسية متكررة. يصبح الألم هو "اللغة" الوحيدة التي يجيد التحدث بها، وبدونها يشعر بالغربة أو بفقدان الهوية. هو لا يشعر بالأمان لأنه سعيد، بل يشعر بالأمان لأنه يعرف بالضبط ما الذي سيحدث تالياً.
2. آليات تشكل الأمان المشوه
هناك ركيزتان أساسيتان يقوم عليهما هذا المفهوم:
إنهاء حالة الانتظار: القلق من "متى سيقع الألم؟" أصعب بمراحل من وقوع الألم نفسه. لذا، عندما يتواجد الشخص في بيئة مؤلمة، يهدأ عقله لأنه لم يعد مضطراً لتوقع الأسوأ؛ فالأسوأ يحدث بالفعل.
وهم السيطرة: داخل الألم المعتاد، يمتلك الشخص "كتالوج" للتعامل. هو يعرف كيف يصمت، كيف يمتص الغضب، وكيف ينجو. أما في حالة الهدوء، فهو يفتقر للمهارات التي تجعله يدير هذا الاستقرار، فيشعر بالارتباك والضعف.
3. أمثلة حية من واقع الحياة
أولاً: في العلاقات العاطفية (متلازمة الاعتياد على الأذى)
تجد شخصاً يخرج من علاقة "سامة" ليدخل في أخرى تشبهها تماماً. عندما تسأله: "لماذا؟"، قد لا يملك إجابة واضحة، لكن الحقيقة هي أن الشخص "اللطيف" أو "المستقر" يثير قلقه. الهدوء في العلاقة يجعله يتساءل: "أين الخدعة؟ متى سينقلب عليّ؟". هذا الترقب يدفعه لا شعورياً لاختيار شريك يعيد له "الأمان المشوه" المتمثل في الدراما والتوتر، لأن هذا هو النوع من الحب الذي تعلمه.
ثانياً: في بيئة العمل (إدمان الضغط)
الموظف الذي نشأ في بيئة تقدّر "المعاناة" فقط كدليل على الإنجاز، يجد نفسه غير قادر على العمل في بيئة مرنة أو هادئة. إذا وجد وقتاً للراحة، يشعر بالذنب والتهديد (أن شيئاً ما خطأ). هو يشعر "بالأمان" فقط عندما يكون غارقاً في ضغوط تفوق طاقته، لأن الضغط هنا هو الذي يثبت له أنه "موجود" و"مهم".
ثالثاً: تخريب الذات (الهروب من النجاح)
عندما يبدأ شخص ما في تحقيق استقرار مادي أو عاطفي، يبدأ "الأمان المشوه" في الصراخ داخله: "هذا ليس مكانك!". فيقوم بتصرفات غير واعية لتخريب هذا النجاح (مثل افتعال مشكلة كبيرة أو إهمال العمل)، فقط ليعود إلى نقطة الصفر، حيث يشعر هناك بالراحة لأنه استعاد "وضعية الضحية" التي يحفظ تفاصيلها.
4. كيف نكسر هذه الدائرة؟
الخروج من فخ الأمان المشوه يتطلب إعادة تعريف المصطلحات داخل عقولنا:
الوعي بالنمط: مراقبة اللحظات التي نشعر فيها بالقلق لمجرد أن "الأمور تسير على ما يرام".
رفع الاستحقاق: تدريب النفس على أن الهدوء ليس فخاً، بل هو الحالة الطبيعية التي نستحقها.
تحمل قلق "المجهول الجميل": الاعتراف بأن الشعور بالارتباك في بيئة صحية هو أمر طبيعي في البداية، تماماً كمن يخرج من غرفة مظلمة إلى ضوء الشمس؛ ستؤلمه عيناه، لكن هذا لا يعني أن الضوء خطر.
خاتمة: الأمان المشوه هو سجن جدرانه من "الاعتياد". كسر هذا السجن يبدأ من إدراكنا أن "المألوف ليس دائماً صحيحاً"، وأن سلامنا الداخلي يستحق المغامرة بالخروج إلى مساحات لم نعتد عليها من قبل.
هل تشعر أن هذا المفهوم يفسر مواقف معينة تمر بها حالياً، أم أنك تلاحظه في محيطك الاجتماعي؟