"خلف الأبواب الصامتة: تحطيم قيود العنف واستعادة كرامة الأنثى"

"خلف الأبواب الصامتة: تحطيم قيود العنف واستعادة كرامة الأنثى"
يُعد العنف ضد المرأة أحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً واستمراراً في عالمنا اليوم، وهو وصمة عار لا تفرق بين مجتمع متقدم أو نامٍ، ولا بين طبقة غنية أو فقيرة. إنها قضية لا تتعلق فقط بالمرأة كضحية مباشرة، بل بسلامة البنية الاجتماعية والأخلاقية للبشرية جمعاء. فالعنف ليس مجرد فعل اعتداء عابر أو لحظة غضب منفلتة؛ إنه في جوهره تعبير عن اختلال موازين القوى، ومنظومة متكاملة من القهر تهدف إلى سلب المرأة إرادتها وحقها في العيش بكرامة.
تتعدد أشكال هذا العنف وتتحور لتتخذ صوراً قد لا يراها المجتمع بالعين المجردة. نجد أولاً العنف النفسي واللفظي، وهو الأخطر لكونه غير مرئي ويدمر الروح ببطء؛ حيث يتم تهميش المرأة، التقليل من شأنها، وعزلها اجتماعياً حتى تفقد ثقتها بنفسها وتصبح خاضعة تماماً لإرادة المعتدي. وهناك أيضاً العنف الاقتصادي، الذي يتمثل في حرمان المرأة من ذمتها المالية المستقلة، أو السيطرة على راتبها، أو منعها من التعليم والعمل، مما يجعلها في حالة تبعية قسرية تعجز معها عن اتخاذ قرار الرحيل من دائرة الإيذاء خوفاً من العوز.
ومع التحول الرقمي الذي نعيشه، برز العنف الإلكتروني كشكل جديد وقاسٍ، يشمل الابتزاز بالصور، التحرش عبر المنصات، والتهديد بتشويه السمعة، مما يجعل الفضاء الرقمي الذي كان يُفترض أن يكون وسيلة للتمكين، ساحة أخرى للمطاردة والخوف.
إن جذور هذه الظاهرة تكمن غالباً في موروثات ثقافية وتفسيرات خاطئة للنصوص والتقاليد، تكرس لمفهوم "التملك" بدلاً من "المشاركة". فالمجتمعات التي تبرر العنف تحت مسميات "التأديب" أو "العادات" تمنح المعتدي حصانة أخلاقية وتشجعه على الاستمرار دون خوف من العقاب. وهنا تبرز الأهمية القصوى للقوانين؛ فالقوانين الصارمة التي تجرم العنف المنزلي والمجتمعي هي الدرع الأول، ولكن القانون يظل نصاً جامداً ما لم ترافقه ثورة في الوعي الجمعي تؤمن بأن كرامة المرأة هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
الحل يبدأ من قلب الأسرة والتعليم؛ عبر تربية جيل جديد يؤمن بأن القوة تكمن في الاحتواء لا في التسلط، وأن الرجولة الحقيقية هي حماية الحقوق وصونها لا استعراض العضلات. كما يتطلب الأمر تمكيناً اقتصادياً حقيقياً، فكلما كانت المرأة مستقلة مادياً، زادت قدرتها على رفض الظلم والمطالبة بحقوقها. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الدول توفير شبكات أمان مؤسسية، مثل مراكز الإيواء والخطوط الساخنة، مع ضمان سرية تامة وحماية قانونية للناجيات تشجعهن على كسر حاجز الصمت.
في الختام، إن مواجهة العنف ضد المرأة ليست "معركة نسوية" منعزلة، بل هي معركة الرجل والطفل والمؤسسة والدولة. إن الصمت عن العنف هو مشاركة فيه، وكسر هذا الصمت هو الخطوة الأولى نحو التعافي الجماعي. إن بناء مستقبل مشرق وحضاري يتوقف تماماً على مدى قدرتنا على خلق عالم تشعر فيه المرأة بالأمان المطلق في بيتها، وعملها، وشارعها، ليس كمنحة أو شفقة من أحد، بل كحق إنساني أصيل وأساسي لبناء مجتمع سوي وقوي.