رسائل من الجحيم: لغز "سيركلفيل" الذي حيّر القضاء والعلم!
لغز سيركلفيل: الرسائل التي هزت مدينة وسكنت خلف القضبان
في عام 1976، كانت مدينة سيركلفيل (Circleville) في ولاية أوهايو الأمريكية مجرد بلدة ريفية هادئة،
من تلك البلدات التي يعرف فيها الجميع كل شيء عن الجميع، أو هكذا كانوا يظنون. لكن هذا الهدوء تحول إلى كابوس استمر لقرابة عقدين من الزمن،
بدأ برسائل بريدية غامضة وانتهى بمؤامرات قضائية لم تحل طلاسمها حتى يومنا هذا.
البداية: ساعي البريد يحمل السم
بدأت القصة حين استلمت "ماري جيلسبي"، وهي أم لعامليْن وسائقة حافلة مدرسية،
رسالة بريدية غامضة بلا اسم مرسل. لم تكن رسالة عادية، بل كانت مكتوبة بخط يد غريب، مائل ومصطنع (Block letters)، وتحمل نبرة تهديد مخيفة.
الرسالة كانت صريحة: "أنا أعلم بشأن علاقتك الغرامية مع مدير المدارس، أنا أراقب منزلك، وأعرف أطفالك. توقفي عن هذه العلاقة وإلا ستدفعين الثمن".
صدمت ماري، فأنكرت العلاقة تماماً. ظنت أنها مجرد مزحة سمجة، لكن الرسائل لم تتوقف.
بل أصبحت أكثر تفصيلاً، تصف ملابسها، ومواعيد خروجها، والأماكن التي تذهب إليها.
لم تكن ماري وحدها، فسرعان ما تلقى زوجها "رون جيلسبي" رسائل مماثلة تقول له: "إذا لم تقتل زوجتك الخائنة، سنقتلها نحن".
عاش الزوجان في رعب لعدة أشهر، حتى قررا إخبار شقيق رون وزوجته (بول وجيل فريشوار) بالأمر. اتفق الأربعة على وضع خطة لكشف الكاتب،
فأرسلوا رسائل "فخ" لعدة أشخاص يشكون بهم، قائلين إنهم عرفوا هويته. توقفت الرسائل لفترة وجيزة، فظنوا أنهم انتصروا.
الليلة المشؤومة: الحادث الذي غيّر المجرى
في أغسطس 1977، تلقى رون جيلسبي مكالمة هاتفية غامضة. استشاط غضباً، وأمسك بمسدسه وقال لماري إنه ذاهب لمواجهة كاتب الرسائل.
انطلق بسيارته بسرعة جنونية، وبعد دقائق قليلة، وُجدت سيارته محطمة في حادث اصطدام بشجرة.
المفاجأة الأولى: مات رون جيلسبي في الحادث، لكن الفحص الطبي أظهر أن مسدسه قد أُطلق منه رصاصة واحدة قبل الاصطدام.
لم يعثر المحققون على أي أثر لشخص آخر في مكان الحادث، واعتبرت الشرطة الأمر "حادث قيادة تحت تأثير الكحول"،
رغم أن عائلة رون أقسمت أنه لم يكن يشرب أبداً.
بعد الجنازة، وبدلاً من أن يتوقف الكاتب احتراماً للموت، ازدادت الرسائل قسوة.
بدأت تهاجم ماري وتتهمها بقتل زوجها، بل وبدأت رسائل أخرى تصل لسكان المدينة تفضح أسرارهم الضريبية، علاقاتهم، وحتى مشاكلهم الصحية.
أصبحت سيركلفيل "مدينة الشك"، حيث ينظر كل جار لجاره بعين الاتهام.
الكمين الفاشل والمصيدة
في فبراير 1983، كانت ماري تقود حافلتها المدرسية حين رأت لافتة بذيئة معلقة على سياج في طريقها،
تسخر منها. توقفت ماري لنزعها، فلاحظت وجود صندوق صغير مربوط بالسياج بخيط.

بفضول قاتل، اقتربت ماري لتكتشف أن الصندوق يحتوي على مسدس مفخخ موجه نحوها تماماً، ومصمم ليطلق النار بمجرد سحب اللافتة! بأعجوبة،
لم ينفجر المسدس. استدعت الشرطة فوراً، وهنا وقعت "المفاجأة الكبرى" التي قلبت حياة العائلة رأساً على عقب.
عند فحص الرقم التسلسلي للمسدس، تبين أنه يعود لـ "بول فريشوار"، صهر ماري (زوج شقيقة زوجها الراحل).
أنكر بول تماماً علمه بالأمر، وادعى أن المسدس سُرق منه قبل فترة. لكن المدعي العام والشرطة لم يصدقوه. خضع بول لاختبارات خط اليد،
وبالرغم من أن النتائج لم تكن حاسمة 100%، إلا أن الضغط الشعبي لإيجاد كاتب الرسائل كان هائلاً.
المحاكمة: هل هو الجاني أم كبش الفداء؟
بدأت محاكمة بول فريشوار في عام 1983. كانت الأدلة ضده ظرفية (المسدس باسمه، واختبارات خط يد غير دقيقة).
ومع ذلك، أدين بول بتهمة محاولة القتل وحُكم عليه بالسجن لسنوات طويلة.
اعتقد الجميع أن كابوس سيركلفيل قد انتهى، لكن ما حدث بعد ذلك جعل القضية تدخل سجلات "أغرب القضايا في التاريخ".
بينما كان بول يقبع في السجن الانفرادي، وتحت مراقبة مشددة، وبدون وصول لأدوات كتابة أو بريد.. بدأت الرسائل تصل مرة أخرى لسكان سيركلفيل!
كانت الرسائل تحمل ذات الخط المائل، وذات الأسلوب الهجومي،
بل وكانت تحمل ختم بريد من مدينة قريبة. إحدى الرسائل وصلت لبول نفسه في سجنه تسخر منه، وأخرى وصلت لمأمور السجن تقول له
: "لقد أمسكت بالرجل الخطأ، سأستمر حتى تحترق المدينة".
اللغز الذي لم يحل
استمرت الرسائل لسنوات وبول خلف القضبان. في عام 1994،
خرج بول من السجن بعد قضاء محكوميته، وظل حتى يوم وفاته في 2012 يقسم ببرائته. الغريب أن الرسائل توقفت تماماً بعد فترة وجيزة من خروج بول،
مما أعاد الشكوك إليه، لكن البعض يرى أن الكاتب الحقيقي توقف لأنه حقق هدفه بتدمير حياة بول وماري.
النظريات حول الكاتب الحقيقي:
بول فريشوار: أنه كان يرسل الرسائل عبر وسطاء أو أصدقاء مخلصين ليثبت براءته.
ماري جيلسبي نفسها: نظرية ضعيفة، لكن البعض يعتقد أنها فعلت ذلك لتغطية علاقتها.
شخص مجهول في مكتب البريد: وهذا يفسر كيف كانت الرسائل تصل وتحمل أختاماً رسمية وأسراراً لا يعرفها إلا من يطلع على السجلات.
شقيقة ماري (جيل): كان هناك من يشك في أن الدافع هو الغيرة العائلية.
الخاتمة: أرشيف سيركلفيل المفتوح
تظل قضية "رسائل سيركلفيل" واحدة من أعظم الألغاز الجنائية.
لقد أثبتت أن الكلمة المكتوبة قد تكون أكثر فتكاً من الرصاص. المحكمة أدانت شخصاً،
لكن الواقع أثبت أن القاتل "المعنوي" كان لا يزال طليقاً، يتجول في أزقة المدينة، يراقب الناس من خلف النوافذ، ويضع طابع البريد على فضيحة جديدة.
حتى اليوم، إذا زرت سيركلفيل، ستجد كبار السن يتحدثون بصوت منخفض عن تلك الأيام، والبعض لا يزال يخشى فتح صندوق بريده،
فربما لا تزال هناك رسالة مفقودة تنتظر صاحبها.