بين سبورة الفصل وصفحات الرواية: كيف أنقذتني اللغة العربية من ضجيج الواقع؟
بين سبورة الفصل وصفحات الرواية: كيف أنقذتني اللغة العربية من ضجيج الواقع؟
لطالما كانت اللغة العربية بالنسبة لي أكثر من مجرد قواعد ونحو وقصائد تُحفظ؛ لقد كانت هي المخبأ والملجأ. كمعلمة، أقف كل يوم أمام تلاميذي، أحاول أن أزرع فيهم حب الكلمة، وفي داخلي روائية تحاول جاهدة أن تلملم شتات مشاعرها بين السطور. الكتابة هي طريقتي الوحيدة للنجاة من ضجيج الواقع. حين تضيق بي الدنيا، أهرب إلى الورق، أبحث عن "صيد المعاني" التي تصف شعوراً لم أستطع يوماً قوله جهاراً. فما أصعب أن تكوني معلمة تعطي الأجوبة للجميع، بينما أنتِ في داخلكِ تحملين آلاف الأسئلة التي تبحث عن مأوى!
عن الصمت والضجيج الداخلي:
أحياناً، أتأمل وجوه الصغار وهم يتسابقون للإجابة، فأبتسمُ وفي قلبي غصة لا يعرفها أحد. أسأل نفسي في لحظات الصمت تلك: كم واحداً منهم سيحتاج للغة يوماً ما ليس ليمتحن فيها، بل ليعبر عن حزنه الدفين؟ في تلك اللحظات، لا أعود مجرد معلمة تشرح "كان وأخواتها"، بل أتحول إلى كائن إنساني يبحث عن "إخوة" له في الوجع والكلمة. إن الضجيج الذي يملأ الفصول قد يكون صاخباً ومزعجاً أحياناً، لكنه لا يقارن أبداً بضجيج الأفكار التي تتصارع في رأس كاتب يحاول تحويل مشاعره المتلاطمة إلى حروف صامتة وثابتة على الورق.
لحظة تجلٍ خلف المنصة:
في كل مرة أفتح فيها كتاباً لأقرأ منه على مسامع طلابي، أشعر وكأنني أفتح باباً سرياً لقلبي. الكلمات التي أنطقها تخرج محملةً بآهات لم يسمعها أحد، وبأحلامٍ خبأتها طويلاً تحت وسادتي. الكتابة بالنسبة لي ليست رفاهية، بل هي عملية "تنفس صناعي" في عالمٍ يكاد يخنقنا بالتزاماته وواجباته التي لا تنتهي. نحن المعلمون نعطي من أرواحنا الكثير، لذا نحن بحاجة لهذا الملاذ السري، لهذه الصفحة البيضاء التي لا تحكم علينا ولا تطلب منا تصحيحاً، بل تحتضننا بكل فوضانا وشتاتنا.
حوار بين العالمين ( المعلمة والروائية):
أحياناً، وبينما أنا أكتبُ قاعدةً نحويةً على السبورة، يشردُ ذهني بعيداً.. فأسمعُ في خيالي حواراً لا يقطعه سوى صوت جرس الحصة، حواراً يدور بين (أنا المعلمة) و(أنا الروائية):
المعلمة: “لماذا تكتبين عن الألم والهروب وأنتِ هنا لتزرعي الأمل والقواعد؟”
الروائية: “لأن القواعد وحدها لا تبني وطناً للأرواح المتعبة.. والهروب إلى الورق هو الذي يمنحني القوة لأقف أمامهم غداً بابتسامة صادقة لا زيف فيها.”
المعلمة: “وهل سيشعرون بما وراء الكلمات التي تكتبينها في الخفاء؟”
الروائية: "يكفي أن أشعر به أنا.. الكتابة هي أن أرمي ثقلاً من على كاهلي، وأتركه يطفو على سطح الورق، لينساه قلبي ويحتضنه القارئ المجهول الذي قد يجد في كلماتي ضالته."
الكتابة كفعل نجاة أبدي
بين جدران الفصل الدراسي وصفحات روايتي، اكتشفتُ أن الفصاحة ليست في تنمق الكلمات أو زخرفتها، بل في صدق الإحساس الذي يصل بلا استئذان. أكتبُ اليوم لأقول لكل من يشعر بالوحدة وسط الزحام: لا بأس أن تكون هادئاً وفي داخلك عاصفة من الحكايات التي لا تنتهي. لا بأس أن تجعل من "الكلمات" وطناً بدلاً من الأماكن الموحشة. فنحن في النهاية لا نكتب لنشتهر أو لنعلم دروساً في الأخلاق، بل نكتب لنبقى على قيد الإحساس.. نكتبُ لنتنفس، وننشر ما كتبناه لعلنا نجد في قراءات الآخرين صدى لأرواحنا التي أتعبها الواقع ورهقها المسير.

