الحرب الإيرانية.. ورقة طلاق بين أمريكا وحلفائها الاوروبيين

الحرب الإيرانية.. ورقة طلاق بين أمريكا وحلفائها الاوروبيين

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الحرب علي ايران احد أسباب تفجر الخلافات بين ضفتي الأطلسي (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، التي كانت توصف بانها مثل جبل الثلج قمته فقط تظهر علي السطح. لكن ما نتابعه اليوم يؤكد ان هذا الجبل انكشف بالكامل وخرج عن السيطرة، وكأن الطرفان اكتفيا من محاولات الترقيع السابقة للعلاقة التي تم نسجها بعد الحرب العالمية الثانية.. الأخطر ان احد لم يعد يهتم او حتي يرغب في لملمة ما تبقي من تعاون او تفاهم.

منذ دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توجس الأوروبيون شرا، وكانت رؤيته لمستقبل جزيرة جرينلاند الدينماركية وتهديده باحتلالها او شرائها بداية احجار الديمينو التي تتابع سقوطها فيما بعد، مرورا بملف التعريفات الجمركية وفرض واشنطن ضرائب باهظة على الصادرات الأوروبية (مثل السيارات والصلب) تحت شعار "حماية الوظائف الأمريكية" الذي أدى إلى ردود فعل أوروبية انتقامية، مما حول الحلفاء السياسيين إلى خصوم تجاريين. ثم طلب ترامب بزيادة ٥٪ من الناتج القومي لكل دول الاتحاد لصالح الناتو، لم يقف ضغط واشنطن على أوروبا لهذا الحد بل طلب ترامب دول الاتحاد بقطع علاقاتها التكنولوجية والتجارية مع الصين تماماً، مما خلق هوة واسعة في المواقف الجيوسياسية، نظرا لان الجانب الأوروبي يري ان انفصالهم عن الصين لن يتحملوه اقتصاديا.

image about الحرب الإيرانية.. ورقة طلاق بين أمريكا وحلفائها الاوروبيين

ثم جاءت الضربة الكبرى في تراجع الدعم الأمريكي المالي والعسكري لأوكرانيا في بداية عام 2025 الذي ادي تحمل العبء بالكامل على ميزانيات الدول الأوروبية.. هذا التحول جعل الأوروبيين يشعرون بأن أمريكا تستخدم الصراعات لخدمة أجندتها الداخلية ثم تنسحب وتترك أوروبا تواجه التبعات الأمنية والاقتصادية وحدها وهو ما جعلها تدرك ان العلاقة مع الولايات المتحدة، علي الأقل في ظل وجود ترامب لم تعد محتملة.

علي كل حال الانتقام الأوروبي لم يتأخر، ووجدوا في الحرب التي شنها ترامب علي ايران فرصة جيدة لتركه وحيدا هناك يتورط في هذا المستنقع، وتوالت مواقفهم ليس فقط المعارضة للحرب لكن أيضا تحمل تحديا وتمردا مباشرا علي الإدارة الامريكية وترامب شخصيا. وفي مواجهة الضغوط الأمريكية للمشاركة في حرب إيران، قامت إسبانيا رسمياً بتقييد استخدام الولايات المتحدة لقاعدة "روتا" و"مورون" العسكريتين، مؤكدة أنها لن تسمح بانطلاق هجمات ضد إيران من أراضيها. وتضامن معها ألمانيا وفرنسا معتبرين أن أي تهديد تجاري أمريكي لمدريد هو تهديد للاتحاد الأوروبي ككل، فيما أعلنت إيطاليا غلق مجالها الجوي امام الطيران الحربي الأمريكي لمهاجامة ايران، مما أفشل خطة ترامب في "الاستفراد" بالدول كل على حدة.

وبالإضافة الي ما سبق فان ازمة تامين مضيق هرمز الناجمة عن الحرب علي ايران، يمثل في حد ذاته احدث انتكاسة للعلاقات ليس فقط بين ضفتي الأطلسي لكن تحديدا مع بريطانيا التي رفضت المشاركة في عمليات التأمين تحت مظلة أمريكية، وهي التي كانت دائما الحليف الداعم للولايات المتحدة في كل حروبها السابقة خاصة في الشرق الأوسط..

الرد الأوروبي لم يقف عند الانتقام فقط، فالخلاف المتصاعد الولايات المتحدة حول المصالح الاقتصادية المتضاربة، ورؤية إدارة المخاطر الإقليمية.، جعل الاتحاد الاوروبي يبحث عن "الاستقلال الاستراتيجي" الأوروبي بعيدا عن "الهيمنة الأمريكية".

ومنذ بداية عهد ترامب الثانية، تزايدت القناعة لدى القوى الأوروبية (خاصة فرنسا وألمانيا وإيطاليا) بأن الاعتماد الكلي على المظلة الأمنية الأمريكية بات مخاطرة غير مأمونة وولدت شعوراً بالخوف من تخلي واشنطن عن "المادة الخامسة" في ميثاق الدفاع المشترك.

ومنذ عام ٢٠٢٥ لجأ الاتحاد الأوروبي الي تطبيق عدد من الإجراءات السيادية غير المسبوقة لتقليل اعتمادها عن المظلة العسكرية الامريكية، وتجلي ذلك في اعتماد المظلة النووية الفرنسية وانتشارها علي كل دول الاتحاد مقابل المساهمة في عمليات التطوير الصيانة. إنشاء آلية تنسيق تضم حالياً فرنسا، ألمانيا، بولندا، وإيطاليا للتشاور حول استراتيجيات الردع النووي، وهو ما يمثل أول بديل مؤسسي لـ "مجموعة التخطيط النووي" التابعة للناتو. تفعيل خطة "إعادة تسليح أوروبا" بميزانية أولية بقيمة 1.5 مليار يورو لدعم التصنيع العسكري المشترك، مع اشتراط أن يكون السلاح "صناعة أوروبية" لتقليل الارتباط بسلاسل الإمداد الأمريكية والبدء في انتاج اول طائرة حربية من الجيل السادس لتكون بديلا عن مقاتلات اف ٣٥ الشبحية الامريكية.

استثناء الإنفاق العسكري من قيود العجز في ميزانيات الاتحاد الأوروبي. وتشكيل قوة عسكرية أوروبية قوامها 5000 جندي يمكنها التدخل الفوري دون الحاجة للأصول اللوجستية الأمريكية. تعزيز دور "هيئة الأركان العسكرية للاتحاد الأوروبي" (EUMS) وهو ما ظهر في التنسيق الأخير لرفض العمليات الأمريكية ضد إيران. وكانت الضربة الحاسمة في ان دول مثل إيطاليا وإسبانيا قامت فعليا بمراجعة "اتفاقيات الدفاع الثنائية" مع واشنطن، لفرض شروط تمنع استخدام القواعد في عمليات لا يقرها الاتحاد الأوروبي أو لا تخدم امنها القومي.

حتي بريطانيا التي تصنف نفسها حليف استراتيجي للولايات المتحدة وخرجت طوعا من الاتحاد الأوروبي وقعت مع فرنسا يوليو 2025 "ميثاق التعاون النووي والاستراتيجي" لضمان تنسيق الغواصات النووية البريطانية والفرنسية لحماية الأجواء الأوروبية في حال انسحاب أمريكا من الناتو.

من المؤكد ان العلاقة بين ضفتي الأطلسي لن تعود كما كانت علي اقل تقدير في عهد الرئيس ترامب، الذي اصبح شاهدا وسببا في الصدع الذي يهدد العلاقاتهما وربما يعرضها للانفصال. وستكون نهاية الحرب الإيرانية هي ورقة طلاق بين الجانبين وبداية علاقة جديدة بينهما.. وهذه المرة لن تكون قائمة علي صيغة التابع والمتبوع الذي صبغ العلاقة بينهما منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، بل ان احد اهم مرتكزاته ستكون "الندية".

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
معتز ابو سمرة صحفي تقييم 4.96 من 5.
المقالات

6

متابعهم

14

متابعهم

16

مقالات مشابة
-