تفعيل دور الثقافة في حياتنا بقلم الكاتبة/حنان فاروق العجمي
تفعيل دور الثقافة في حياتنا
بقلم الكاتبة/ حنان فاروق العجمي

في ظل تغيرات متسارعة، وأحداث متتالية يحتاج الإنسان إلى إشباع العقل والروح بالمزيد من المعلومات، والاطلاع على الثقافات المختلفة التي تُنمي الوعي، وتساعد على إيجاد أسلوب تفكير سليم يعلو بالإدراك إلى مرحلة أن المُدرك هو مَنْ يصنع ثقافته، ويُحَدِّث من أفكاره بنفسه، عَبرَ اجتهاده، وبحثِه، وليس فقط الاعتماد على ما يُدَرَّس من علم بالمدارس، والجامعات لنَيْل شهادة علمية ثم وضعها على رف من أرفف المكتبة بالمنزل،

فالإنسان لا يستطيع الاستغناء عن العلم، وأوجه المعرفة في جميع مراحل حياته، ويُعَد العلم هو الوسيلة، والركيزة الأساسية التي ترشدنا للطريق الصحيح، وتضع رؤية أشمل لما يجب أن نكون عليه.
بالعلم والتجربة تُخلق حياة، وتنبض الثقافة داخلك لتُنير عقلك، وعقول آخرين، فالقارئ لا يستقي فقط الكلمات من مصادرها بالكتب، والمراكز الثقافية، وإنما يُضفي عليها رونقًا جديدًا ناتجًا عن تفاعل إدراكه مع تلك المدخلات، وتحويلها لخلق جديد يُعاد تأويله بشكل مُبتَكَر،

الإدراك يختلف من شخص لآخر
حسب عوامل كثيرة كالبيئة، والتربية، والتجارب التي خاضها، وطبيعة الأشخاص المُتَلقية للثقافة، وتطور الحضارات، واللغات، وغيرها من عوامل مؤثرة.
الجاهل في عصرنا هو ليس ذلك الإنسان الأمي الذي لا يقرأ، ولا يكتب، بل أخطر من ذلك، هو القارئ السطحي الذي يكتفي بالعناوين، لا يُكلِّف نفسه الفهم، والبحث، والمناقشة، بل الاعتياد على تلقي المعلومة الجاهزة، والحفظ دون إعمال الوعي الإدراكي، والسطحية في تناول الموضوعات، وإهمال تجارب، ومجهود الآخرين في إيصال المعلومة إليه ليستفيد منها، والإضافة إليها من تجربته، فالثقافة التي لا تلامس داخلك، وتتفاعل مع أعماقك عديمة الفائدة
هي مجرد إطار تتزين به كلماتك، ليست رؤية واضحة يمكنك تفسيرها، وإيصالها للآخرين، وإنما هي هشاشة فكرية، وعدد مُنَمَّق من الكلمات، ومحتوى عاجز لا تدركه العقول، فينفرون منه.
الإنسان المُثقَّف هو الذي يستطيع أن يُبيِّن وجهة نظره من خلال تيسير فهمها، والنقاش العلمي بالدلائل، والبراهين، والاستفادة من أبحاث السابقين، ومعرفتهم دون التشكيك فيها بغير تجربة حقيقية، وبرهان فعلي
المُثَقَّف الحقيقي
هو الذي يملك القدرة على التأمل، والصبر، والجرأة في الطرح
هو المُتَخلِّي عن أنانية استحواذه على المعلومة،
هو القائم على رسالة إفادة الجميع دون مصلحة شخصية، أو حب الظهور بلا معنى،
هو القادر على توجيه الأسئلة في محلها للوصول لإستنتاجات يمكن اتخاذها كنظرية يتم تطبيقها.
في زمن تعالت فيه أصوات كالببغاوات دون وعي نحتاج لمَنْ يتخذ الثقافة مشروع لبناء جيل قوي ينهض ببلاده على مُختلف المستويات الاجتماعية، والدينية، والتاريخية، والطبيَّة، والفنية الإبداعية،،،
الثقافة هي أن تخلق جيلًا مُفكِّرًا لا يعتمد فقط على المأخوذ من السَّلف، وإنما يمكنه تطويره بما يناسب العالم اليوم، فالثقافة شبكة ممتدة من المعلومات المُتناقلة من الأقدم للأحدث، والعديد من الخبرات المتوارثة عبر الأجيال، ليست نظريات مصمتة فقط، بل وعي يتعايش، ويتغير من زمن لآخر، وليس كيان حجري جامد.
أن تقرأ كتاب، أو قصة لطفلك هو استمرار لتشكيل إدراكه، ووعيه، وتنمية لعقله، وتشكيل متوازن لشخصيته.

"التعليم في الكِبَر كالنقش على الحجر"
غير صحيح، فالعلم والثقافة ليس لهما عُمْر يتساوى في ذلك الكبير، والصغير
الطفل كالشاب كالعجوز في استقاء العلم لا فرق بينهم

"اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"

الثقافة منظومة متكاملة
تتوقف على عدة عوامل جوهرية :
اولا : التعليم
الحصول على درجة عالية من التعليم من عوامل إثراء الثقافة، وتفعيل دورها في تطوير مجتمع،،،
فكلما ارتفعت جودة التعليم ارتفع الوعي الفكري لدى الفرد، وتَمَكَّن من الإبداع

ثانيًا : البيئة المحيطة
الفرد الذي نشأ في بيئة تهتم بالعلم، والمعرفة ليس كَمَنْ تَرَبَّى في بيئة تُحقِّر من قيمة الثقافة، وتُسَفِّه من الطبقة المثقفة، وأهمية الكتب، والحراك الثقافي

ثالثًا : السياسات المُتَّبَعة لنشر الثقافة
كالمراكز الثقافية، والمنصات التي عن طريقها يزهو الإبداع، والاهتمام بالمواهب، ودعمها، وتشجيعها للإستمرار
تفعيل دور قصور الثقافة، والقضاء على الشِلَلِيَّة، والمعارف، واختصار الإبداع في مجموعة لا تتعداها، وعدم إلقاء الضوء على مَنْ يستحق الظهور، والدعم، والإيمان بتعدد الفنون، وعدم اقتصارها على الشكل الثابت الجامد الذي لا يمكن الخروج عنه،،،

إنارة الظلام الفكري، وإعطاء الحق لكل مبدع في التعبير عن نفسه

رابعًا : التكنولوجيا الحديثة
تلعب دورًا كبيرًا في تقريب المسافات، وسرعة الحصول على المعلومة، ولكن علينا الانتقاء، وعدم ترك أنفسنا فريسة للتلقي دون إعمال الفكر، واستنزاف الوقت، والجهد فيما لا يفيد

خامسًا : دور الإعلام
الإعلام مرآة لمجتمع واعٍ مثقف ينعكس دور الإعلام على تنمية الوعي الجمعي، وتوجيهه للمعرفة، وتحسين ذائقة الفرد.
سادسًا : الناحية الإقتصادية
فكلما استطاع الفرد توفير المصدر المادي كلما استطاع توسيع ثقافته، وشراء الكتب، وحضور المعارض الدولية، والمسرحيات الثقافية، والصالونات الأدبية، والفعاليات الثقافية المُنظمة.
سابعًا : الفروق الفردية في الوعي
التناسب الطردي بين الوعي الإدراكي، وارتفاع نسبة العلم، والمعرفة، والثقافة
كلما ازداد الوعي، والشغف للحصول على المعلومة، والتعليم الجيد كلما ارتقى الفكر الثقافي للفرد، وانتشرت الثقافة بين أفراد المجتمع، واستطعنا بناء حضارة راسخة، ومثل للأمم تحذو حذوها، وتواكب تقدمها.

من هنا نعلم أن الثقافة بناء متراكب الأجزاء تعلو فوق بعضها البعض في تشكيل متماسك لا يمكن تفكيكه.

"الثقافة هي توسيعٌ للعقل، لا ملءٌ له."
"مالكوم فوربس"
رئيس تحرير مجلة FORBES من أبرز المجلات في الإقتصاد، والأعمال
حيث أشار إلى أن الثقافة ليست مجرد تكديس للمعلومات، وإنما تحويل الكم إلى كيف أكثر تأثيرًا، وعمقًا ليحقق الهدف المرجو منه.

وختامًا قول "طه حسين" عميد الأدب العربي "الثقافة هي السلاح الذي يُحصّن العقول من الانقياد الأعمى"

الكلمات المفتاحية