ليلة المناوبة الأخيرة
ليلة المناوبة الأخيرة
لم يكن "سامي" يؤمن بالقصص التي يتناقلها الممرضون عن المستشفى. كان يراها مجرد خرافات تُقال لتخفيف وطأة السهر في المناوبات الليلية الطويلة. لكن تلك الليلة، كانت مختلفة.
استلم سامي مناوبته عند الساعة الحادية عشرة مساءً. الممرات كانت شبه خالية، والإضاءة البيضاء الباهتة تضفي إحساسًا غريبًا بالبرودة. صوت خطواته كان يتردد بشكل مزعج، كأنه ليس وحده. حاول تجاهل ذلك، واتجه إلى مكتبه في الطابق الثالث، حيث يقع جناح المرضى الذي يعمل فيه.
قبل أن يجلس، لمح شيئًا غريبًا في نهاية الممر. باب معدني قديم، عليه لافتة مكتوب عليها "مغلق – جناح 7". تذكر فورًا ما قيل له: هذا الجناح تم إغلاقه منذ سنوات بعد حادثة غامضة أدت إلى وفاة عدة مرضى بشكل غير مبرر.
هز رأسه مبتسمًا بسخرية. "مجرد صدفة"، تمتم لنفسه.
جلس يراجع ملفات المرضى، لكن لم تمر دقائق حتى انطفأت الأنوار فجأة. عمّ الظلام المكان، ولم يبقَ سوى ضوء خافت صادر من شاشة الكمبيوتر. حاول الاتصال بالصيانة، لكن الهاتف كان ميتًا.
وفجأة… سمع صوتًا.
كان صوت جهاز مراقبة نبضات القلب… "بيب… بيب… بيب…"
لكن الغريب أن هذا الصوت كان يأتي من جهة الجناح المغلق.
تجمد سامي في مكانه. حاول إقناع نفسه أن هناك خللًا كهربائيًا، لكنه لم يستطع تجاهل الصوت. نهض ببطء، وبدأ يقترب من الباب المعدني.
كل خطوة كانت أثقل من سابقتها.
عندما وصل، لاحظ أن الباب لم يكن مغلقًا بإحكام. كان مفتوحًا قليلًا، كأن أحدهم دخل قبل لحظات.
تردد لثوانٍ… ثم دفع الباب.
صرير حاد اخترق الصمت.
الداخل كان مظلمًا، لكن الضوء الخافت من الممر كشف عن أسرّة قديمة، بعضها مغطى بملاءات ممزقة. رائحة العفن والدواء القديم كانت خانقة.
وفجأة… عاد الصوت.
"بيب… بيب… بيب…"
هذه المرة، كان أقرب.
تقدم سامي حتى وصل إلى غرفة في نهاية الجناح. الباب كان مفتوحًا، وبداخله جهاز مراقبة يعمل… رغم أن الغرفة خالية.
اقترب ببطء، وعيناه مثبتتان على الشاشة التي تعرض نبضات منتظمة… لشخص غير موجود.
مد يده ليطفئ الجهاز… لكن قبل أن يلمسه، توقف النبض فجأة.
"بيبـــــــــــــ…"
خط مستقيم.
ثم سمع صوت همس خلفه.
"أخيرًا… جاء الطبيب."
تجمد الدم في عروقه.
استدار ببطء… ولم يكن هناك أحد.
لكن المرآة على الجدار… أظهرت شيئًا آخر.
شخص يقف خلفه.
مريض بوجه شاحب، وعينين فارغتين، وأنبوب أكسجين متدلٍ من أنفه.
صرخ سامي، والتفت بسرعة… لكن لم يكن هناك شيء.
عاد ينظر إلى المرآة…
الشخص أصبح أقرب.
"أنت تأخرت…" قال الصوت، هذه المرة بوضوح.
تراجع سامي، واصطدم بالجهاز الذي سقط أرضًا، وانطفأت الشاشة. عمّ الظلام مرة أخرى.
ثم… بدأت الأصوات.
أصوات مرضى، صراخ، بكاء، وأجهزة تعمل كلها في وقت واحد.
الأبواب بدأت تُفتح وتُغلق بعنف.
والأسرّة… تتحرك.
حاول سامي الهرب، لكنه وجد أن الممر الذي دخل منه اختفى. أصبح الجناح وكأنه متاهة.
كل غرفة يفتحها… يجد فيها مريضًا.
لكنهم ليسوا أحياء.
عيونهم مفتوحة… تتابعه.
وفجأة، ظهرت ممرضة.
كانت ترتدي زيًا قديمًا، ملطخًا بالدم.
اقتربت منه ببطء، وابتسمت.
"أنت الآن معنا… لن تغادر."
ركض سامي بكل قوته، حتى وصل إلى باب في نهاية الممر. فتحه واندفع للخارج…
ليجد نفسه في نفس المكان الذي بدأ منه.
المكتب.
لكن هذه المرة… كان هناك ملف على الطاولة.
عليه اسمه.
فتح الملف بيد مرتجفة…
ليجد تقريرًا طبيًا.
"المريض: سامي
الحالة: توقف قلبي مفاجئ أثناء المناوبة الليلية
الوقت: 11:47 مساءً"
رفع رأسه ببطء…
الساعة على الحائط كانت تشير إلى 11:47.
ثم سمع نفس الصوت مرة أخرى…
"بيب… بيب… بيب…"
لكن هذه المرة…
كان صادرًا من داخله.