فن القصّ العربي: من جذور التراث إلى هويّة الرواية المعاصرة

فن القصّ العربي: من جذور التراث إلى هويّة الرواية المعاصرة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

فن القصّ العربي: من جذور التراث إلى هويّة الرواية المعاصرة

image about فن القصّ العربي: من جذور التراث إلى هويّة الرواية المعاصرة

1. فلسفة الفن بين الضوابط وحركية التجديد تخضع الفنون الأدبية لجدلية مستمرة بين المرونة والتقنين؛ فبينما يرى البعض أنها عصية على التعريف لكونها كائنات حية متجددة، إلا أن الواقع يفرض وجود ضوابط تحمي الفن من الفوضى، وتظل هذه القواعد قائمة كمرجعية زمنية حتى يكتب للفن مسار جديد بضوابط مستحدثة. وتتجلى القصة في هذا السياق ككتابة فنية تهدف لتصوير حالات المجتمع من زوايا دينية أو اقتصادية أو أخلاقية، حيث يطبع القاص عمله بتصوره الخاص وإدراكه للحياة، محولاً الأحداث إلى "صورة بالكلام" تُحيي المشاهد والأبطال عبر السرد والحبك، مما يجعل القارئ يتمثلها خيالاً وراء السطور، بخلاف المسرح الذي يقدم الحياة عياناً فوق الخشبة.

2. أنواع العمل القصصي وعناصره البنائية ينقسم الفن القصصي إلى ثلاثة أنواع رئيسة تتميز بمدى اتساع الحدث وشخوصه؛ "الأقصوصة" التي تعالج حدثاً مكثفاً في مساحة ضيقة، و"القصة" التي تتكون غالباً من فصل واحد، و"الرواية" التي تتعدد فصولها وتتشابك عوالمها، بعيداً عن التكلف في تحديد عدد الكلمات. وتقوم هذه الأنواع على مثلث بنائي يبدأ بـ "المقدمة" لتهيئة ذهن القارئ، ثم "التعقيد" حيث تتأزم المواقف وتنطمس معالم الحل، وصولاً إلى "الحل" الذي يمهد له بإشارات ذكية لا تقتل شوق المعرفة لدى المتلقي، وكل هذه العناصر تلتف حول النواة الأساسية وهي "الحدث" المستمد من صميم الحياة وواقعيتها الممكنة.

3. الجذور التراثية وإرهاصات العصر الحديث تمتلك القصة العربية أصولاً ضاربة في القدم، استشفت ملامحها من الحكايات الأسطورية وحوارات الحيوان في كتب الجاحظ و"الأغاني"، وتطورت عبر المترجمات كـ "كليلة ودمنة" والمبتكرات كـ "المقامات". ومع مطلع العصر الحديث، حاول الأدباء محاكاة هذا الموروث كما في "حديث عيسى بن هشام" للمويلحي، ومحاولات عبدالله النديم الساخرة في مجلته "التبكيت والتنكيت"؛ حيث وظف الحكاية لأغراض الإصلاح الاجتماعي والتوجيه الأخلاقي. كما نشط القصص الديني والتاريخي المستوحى من القرآن الكريم والسيرة النبوية، مواكباً للاتجاه الإسلامي الذي ساد في مطلع القرن الرابع عشر الهجري.

4. مخاض القصة الحديثة وتحديات البيئة دخلت القصة طور الحداثة الفنية الواضحة مع أعمال مثل "في وادي الهموم" لمحمد لطفي جمعة، و"زينب" لمحمد حسين هيكل، بينما كان للشاميين قصب السبق في التأثر بالأدب الغربي، وإن عجزوا في البداية عن المواءمة بين القالب القصصي والبيئة العربية الإسلامية، فغلب على نتاجهم الجنس والجريمة وصراع الفضيلة والرذيلة. ورغم الاتهامات بأن هذه الطلائع كانت مجرد ترجمات، إلا أن أسلوبها لم يبتعد عن روح الحكاية الشعبية العربية، مما مهد الطريق لحركة ترجمة واسعة قادها أعلام مثل طه حسين والزيات وجورجي زيدان، الذين سعوا لنقل نماذج تدعو للفضيلة والقيم الإنسانية.

5. مدرسة المنفلوطي وجدلية التجديد الاجتماعي برز المنفلوطي كأحد أعمدة القص المترجم بأسلوب أدبي رفيع، حيث أعاد صياغة القصص المترجمة بلغة فنية رائعة في "العبرات" و"النظرات"، رغم مآخذ النقاد على نزعته المأساوية. وفي المقابل، ظهرت محاولات لتنقية الفن القصصي من "الفوضى الخليعة" كما فعل أحمد مختار الحنبلي، بينما اتجه جورجي زيدان للرواية التاريخية برؤية أثارت الجدل حول توظيف "الجنس" في تشويه البطولات الإسلامية. ومع نضج الفن، انبرى أدباء مثل طه حسين والحكيم لنسج قصص اجتماعية وإنسانية، بينما عني العقاد والمازني بالجانب النفسي، مما أثرى المكتبة العربية بأبعاد فكرية وعاطفية جديدة.

6. القصة القصيرة المعاصرة ومعضلة العامية يعد محمد تيمور الرائد الأول للقصة القصيرة المكتملة فنياً، ممهداً الطريق لأسماء لامعة مثل محمود تيمور ونجيب محفوظ وثروت أباظة، الذين ركزوا على معالجة الأمراض الاجتماعية بأسلوب واقعي. وقد شمل الاهتمام قصص الأطفال التي برع فيها كامل الكيلاني، إلا أن الساحة القصصية شهدت تحولاً مثيراً للجدل مع محمود طاهر لاشين الذي فتح باب "العامية" في الحوار والقص، وهي الظاهرة التي يراها البعض حرباً على اللغة العربية بدعوى التيسير، مؤكدين أن الفصحى تظل هي الوعاء الأرقى للفكر والاجتماع، والضامن الحقيقي لاستمرار الهوية الأدبية وتجددها الواعي.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Al-Fattany Beauty Channel Vip تقييم 4.95 من 5.
المقالات

1080

متابعهم

653

متابعهم

6688

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.