عباس محمود العقاد: من أزجال الطفولة إلى مئوية العبقرية الفكرية
عباس محمود العقاد: من أزجال الطفولة إلى مئوية العبقرية الفكرية

١. الجذور الأولى وشغف الطفولة المبكر:
بدأت صلة العقاد بالأدب في سن مبكرة جداً، حيث تجلت بذور عبقريته في أزجال حماسية كان ينظمها أثناء لعبه مع أترابه. ففي تلك المعارك الصبيانية التخيلية، كان العقاد ينقسم مع رفاقه إلى فريقين متحاربين، ليتولى هو دور الناظم الذي يشعل الحماس في نفوسهم بأزجاله التي كانوا يرددونها بإقبال وشغف. مثلت هذه المرحلة الشرارة الأولى التي ربطت بين روحه والكلمة المنظومة، ووضعت حجر الأساس لشخصيته الأدبية القوية.
٢. روافد الثقافة ومجالس العلم في أسوان :
تشكل وعي العقاد الثقافي من خلال رافدين أساسيين؛ أولهما المكتبة الصغيرة في مجلس أبيه، والتي ضمت نفائس مثل "دائرة المعارف الإسلامية" ومجلة "الأستاذ" للنديم وكتاب "ألف ليلة وليلة". أما الرافد الثاني فكان مجلس العالم القاضي الشيخ أحمد الجداوي، حيث كان الصبي ينصت للأشعار والأخبار، مما دفعه بجرأته المعهودة إلى نظم منظومة تصف العلوم المدرسية. وقد حظيت هذه المحاولة بإعجاب الشيخ وتشجيعه، مما حفز العقاد على المضي قدماً، فأصدر مجلته الحائطية المخطوطة "التلميذ".
٣. جدلية الريادة وأستاذية مدرسة الديوان:
استطاع العقاد أن يتبوأ مكانة مرموقة في صدارة الميدان الأدبي بين العمالقة، صائغاً آراءً نقدية نُسبت إليه. ورغم ذلك، تظل جدلية ريادة التجديد قائمة؛ إذ اعترف المازني بأن "شكري" هو من أخذ بيد العقاد ووجهه نحو منزلته الأدبية، بينما أسهم المازني نفسه في توجيهه نحو التجديد. ورغم نفي العقاد الصريح لأستاذية شكري لمدرسة الديوان، إلا أن الثابت تاريخياً هو دور شكري الريادي، وإن استطاع العقاد لاحقاً أن يثبت تفوقه بخصوبة فكره وغزارة إنتاجه.
٤. التميز النثري والقدرة الفائقة على الاستيعاب:
يرجع تفوق العقاد على زميليه شكري والمازني بشكل أساسي إلى براعته في النثر والبحوث المتنوعة، مستفيداً من جلد استثنائي في القراءة وقدرة هائلة على الفهم والاستيعاب. فالعقاد لم يكتفِ بموهبته، بل ظل طوال حياته يلتهم الكتب والصحف والمجلات بدأب منقطع النظير. هذا النهم المعرفي جعله أوسع ثقافة وأغزر إنتاجاً من أدباء عصره، مما مكنه من التفوق على أستاذيته الفنية من خلال النثر والتحليل الفكري الرصين.
٥. مئة كتاب: الثروة الثقافية بين الشمول والتخصص:
أثمرت رحلة العقاد الفكرية ثروة هائلة من المؤلفات التي شملت مختلف ميادين الفكر، حتى ناهزت مئة كتاب. ومع ذلك، توصف مؤلفاته في جملتها بأنها كتب ثقافية راقية لكنها تفتقر إلى التخصص الدقيق، وهو ما يُعزى إلى عدم خضوع دراسته وقلمه في بداياته للبحوث المتخصصة. ومع ذلك، تظل هذه الكتب وثيقة رسمية على عبقرية رجل عصامي استطاع صياغة ثقافة موسوعية شاملة أثرت المكتبة العربية في كافة المجالات.
٦. ريادة الصحافة والميدان الجديد للأحاديث:
رغم النجاح المدوي الذي حققه العقاد في كتبه العميقة، إلا أنه لم يجد نفس القبول في فن المقالة الصحفية التقليدية التي كانت قد بلغت ذروتها على يد رواد مثل السباعي. ولذكائه العملي، لجأ العقاد إلى ميدان لم يطرقه أحد قبله في الصحافة المصرية آنذاك، وهو إجراء المقابلات والأحاديث مع رجال الدولة. فنجح في هذا الميدان نجاحاً باهراً، فاتحاً لنفسه باباً جديداً للتميز الصحفي يجمع بين حنكته السياسية وقدرته الفائقة على المحاورة والاستنتاج.