شريان الإمبراطورية: قناة السويس وأثرها في الجغرافيا السياسية للدولة العثمانية (1869-1908م)

شريان الإمبراطورية: قناة السويس وأثرها في الجغرافيا السياسية للدولة العثمانية (1869-1908م)

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

شريان الإمبراطورية: قناة السويس وأثرها في الجغرافيا السياسية للدولة العثمانية (1869-1908م)

image about شريان الإمبراطورية: قناة السويس وأثرها في الجغرافيا السياسية للدولة العثمانية (1869-1908م)

المقدمة

تعد قناة السويس نقطة تحول جوهرية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، ولم يكن أثرها مقتصرًا على حركة التجارة العالمية فحسب، بل امتد ليشكل العمود الفقري للسياسة العربية للدولة العثمانية. فمنذ اللحظات الأولى لشق "خليج أمير المؤمنين" في عهد الفاروق عمر بن الخطاب، وصولاً إلى الافتتاح الكبير للقناة عام 1869م، ظلت هذه المنطقة تمثل مفتاح السيطرة على الحجاز واليمن، وصمام أمان لسيادة الباب العالي على الأراضي المقدسة.

الجذور التاريخية والبعد الجيوسياسي: تعود فكرة الربط بين البحرين الأحمر والمتوسط إلى فجر الإسلام، حين استأذن عمرو بن العاص الخليفة عمر بن الخطاب لشق قناة تؤمن وصول "الميرة" إلى الحجاز في عام الرمادة. هذا الربط المائي القديم، الذي سُمي "خليج أمير المؤمنين"، ظل يعمل حتى ردمه المنصور العباسي لأسباب سياسية، مما حول التجارة إلى البر وأضعف لاحقاً النفوذ المركزي في أطراف الجزيرة العربية.

الركود الاقتصادي وضعف السلطان: أدى إغلاق طريق البحر الأحمر وتحول التجارة نحو رأس الرجاء الصالح إلى كساد تجاري وركود في الحياة العامة بالمنطقة. هذا التراجع الاقتصادي انعكس مباشرة على قوة الدولة العثمانية، حيث ضعف سلطانها على الأجزاء الغربية من الجزيرة العربية، مما جعل إعادة افتتاح القناة عام 1869م حدثاً استثنائياً أعاد الروح إلى هذه الأقاليم الحيوية.

حماية المقدسات كركيزة سياسية: مثل الحجاز واليمن أهمية بالغة للدولة العثمانية؛ فاليمن هو خط الدفاع الجنوبي، والحجاز هو مقر الحرمين الشريفين. وبفضل القناة، استطاع السلطان العثماني تعزيز صورته كـ "حامٍ للحرمين" أمام العالم الإسلامي، مما رفع من شأن الدولة في مواجهة القوى الاستعمارية الكبرى التي بدأت تزاحم في نفوذ البحر الأحمر.

التحول العسكري وسرعة الإمداد: قبل القناة، كان نقل القوات العسكرية عبر الصحاري يسبب إعياءً شديداً وخسائر بشرية فادحة، وغالباً ما كانت الإمدادات تصل بعد فوات الأوان. أما بعد الافتتاح، فقد أصبح بإمكان الأسطول العثماني العبور مباشرة من الآستانة إلى موانئ الحجاز واليمن، مما وفر الوقت والجهد وعزز القبضة العسكرية الفعالة.

الاستقلال عن الوساطة المصرية: في الفترات السابقة، كان السلطان يعتمد كلياً على ولاة مصر (مثل محمد علي وإسماعيل) لإخماد الثورات في عسير واليمن. ولكن مع وجود الممر البحري الجديد، استطاع الباب العالي إرسال قواته مباشرة من العاصمة دون الحاجة للاستعانة بالوالي المصري، كما حدث في الفتح العثماني الثاني لليمن عام 1873م.

تطوير البحرية العثمانية والصراع الداخلي: أدرك السلطان عبد العزيز أهمية القناة مبكراً، فقام بإصلاح دور صناعة السفن والتعاقد مع معامل أوروبية لتحديث الأسطول. ورغم هذا الطموح، شهد عهد السلطان عبد الحميد الثاني تراجعاً في الاهتمام بالأسطول البحري نتيجة هواجس سياسية داخلية، مما أثر على التوازن البحري في المنطقة.

الدبلوماسية العثمانية والسيادة الإقليمية: زار السلطان عبد العزيز مصر عام 1863م لتأكيد سيادته على هذا الإقليم الحيوي. ورغم الحفاوة التي لقيها من الخديوي إسماعيل، إلا أن الدولة العثمانية ظلت حذرة من طموحاته الاستقلالية، فأصدرت فرمانات تقيد عدد السفن الحربية وتؤكد أن شركة القناة هي شركة مصرية تخضع للقوانين العثمانية.

التحديات الدولية وحياد القناة: أصبحت القناة محوراً للصراعات الدولية، خاصة في الحرب الروسية التركية عام 1877م. وبرزت بريطانيا كقوة مدافعة عن سلامة القناة لضمان طريقها إلى الهند، بينما أصرت الدولة العثمانية على أن القناة جزء لا يتجزأ من ممتلكاتها، رافضة أي نظام حياد يمنعها من ممارسة حقوقها السيادية في أوقات الحرب.

اتفاقية القسطنطينية 1888م: حققت هذه الاتفاقية مكاسب معنوية ومادية للدولة العثمانية، حيث نصت على ترؤس مندوب عثماني للاجتماعات السنوية لمراقبة تنفيذ المعاهدة. كما أكدت المادة العاشرة على حق السلطان والخديوي في اتخاذ التدابير الضرورية للدفاع عن مصر وصيانة الأمن العام، مما ثبت الارتباط القانوني بين مصر والباب العالي.

إعادة تنظيم الإدارة العسكرية: مكنت القناة الدولة من تقسيم قواتها إلى "فيالق" (أورديات) منظمة، مثل الفيلق السابع الذي استعاد السيطرة على اليمن. هذا التنظيم العسكري الدقيق، الذي شمل فرق الرديف والمستحفظين، حول الوجود العثماني في غرب الجزيرة العربية من وجود رمزي إلى حكم فعلي ومباشر.

الخاتمة:

في الختام، لم تكن قناة السويس مجرد مشروع هندسي لربط البحار، بل كانت أداة استراتيجية مكنت الدولة العثمانية من استعادة دورها القيادي في العالم العربي. لقد وفرت القناة الوسائل المادية والقانونية لتشديد القبضة على الولايات البعيدة، وضمنت استمرار السيادة العثمانية على الحجاز واليمن لعقود إضافية أمام الأطماع الاستعمارية المتزايدة.

التوصيات:

تعزيز البحث التاريخي: ضرورة دراسة الأرشيف العثماني المتعلق بالمراسلات البحرية في فترة ما بعد افتتاح القناة لفهم أعمق لآليات اتخاذ القرار.

الاهتمام بالجغرافيا السياسية: توعية الباحثين بأهمية الممرات المائية ليس كطرق تجارة فقط، بل كمحددات للأمن القومي والسيادة الإقليمية.

تحليل المعاهدات الدولية: دراسة اتفاقية 1888م كنموذج لكيفية موازنة الدول بين السيادة الوطنية والضغوط الدولية في إدارة المرافئ العالمية.

المرجع: رسائل جامعية ١١ تهامة نبيل عبد الحي رضوان

الدولة العثمانية وغربي الجزيرة العربية بعد افتتاح قناة السويس

(١٢٨٦ - ١٣٢٦ هـ / ١٨٦٩ - ١٩٠٨ م)

الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م جدة - المملكة العربية السعودية

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Al-Fattany Beauty Channel Vip تقييم 4.95 من 5.
المقالات

1056

متابعهم

652

متابعهم

6686

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.