متاهة السرد: فلسفة الرواية بين مرايا الأجناس الأدبية وإبداع الذات

متاهة السرد: فلسفة الرواية بين مرايا الأجناس الأدبية وإبداع الذات

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

متاهة السرد: فلسفة الرواية بين مرايا الأجناس الأدبية وإبداع الذات

image about متاهة السرد: فلسفة الرواية بين مرايا الأجناس الأدبية وإبداع الذات

1. كينونة الرواية: الجنس الأدبي ذو الألف وجه

تتمنع الرواية عن الخضوع لتعريف جامع مانع؛ فهي كائن أدبي هلامي يتشكل في هيئات شتى، وتستعير من كل فن رداءً. تكمن خصوصيتها في قدرتها على التماس مع الأجناس الأخرى، فهي تغترف بنهم من الحكاية والأسطورة، ولا تجد غضاضة في إغناء نسيجها السردي بالمأثورات الشعبية والملحمية. إن هذا الانفتاح ليس مجرد استعارة، بل هو تماهٍ بنيوي يجعل الرواية ساحة مفتوحة تلتقي فيها عراقة الماضي بتجريبية المعاصر، مما يجعلها جنساً أدبياً مراوغاً يستعصي على الحصر داخل أطر نقدية جامدة.

2. الرواية والملحمة: صراع النثر والشعر وبين البطل والإنسان

تشترك الرواية مع الملحمة في السعي لتمثيل الحقيقة وتجسيد مواقف الإنسان، إلا أن الهوة بينهما تكمن في الجوهر والأداة؛ فالملحمة قوامها الشعر ولغتها السمو، وموضوعها البطولات الخارقة التي تُقصي البسطاء. أما الرواية، فتتخذ من النثر لغةً ومن الإنسان العادي كائناً محورياً. وبينما تتسم الملحمة ببطء الزمان وعظمة الحيز، تنحاز الرواية للحركية والسرعة وضيق الحدود المكانية، محولةً "البطولة" من فعل أسطوري خارق إلى صراع يومي يخوضه الإنسان في مواجهة واقعه المعقد.

3. فتنة اللغة: حين تتقمص الرواية روح الشعر والمسرح

في الرواية المعاصرة، لم يعد النثر مجرد "خط مستقيم" للنقل الإخباري، بل سعى كبار كتابها لترقية اللغة حتى تماست مع "الخط المنحني" للشعر، مثقلة بالصور الشفافة والخيال الرفيع. ومن جانب آخر، لا تستطيع الرواية الانفلات من جاذبية المسرح؛ فهي تشاركه أركانه الجوهرية من شخصية، وزمان، وحيز، ولغة، وحدث. إن هذا المزيج يجعل الرواية لغة وسطاً؛ فهي ليست شعراً خالصاً ولا نثراً سوقياً مبتذلاً، بل هي "أنا ثانٍ" للمؤلف، يبني من خلالها عالماً يفوق الواقع طهراً وذكاءً وجمالاً فنيّاً.

4. وهم التصنيف: نقد التقسيمات التقليدية وتجاوز الماهية

يرى الكاتب أن تقسيم الرواية إلى أنواع (غرامية، تاريخية، اجتماعية) هو تقسيم غير منهجي ولا يعني الكثير، فالمبدع المتمكن قادر على دمج هذه الأنماط في نص واحد دون عناء. كما ينتقد التعريفات التي تحصر الرواية في "بداية ووسط ونهاية" أو تصفها بأنها "ملحمة ذاتية"، معتبراً إياها تعريفات قاصرة؛ فالرواية ليست مجرد "نتاج" تقني، بل هي "إبداع" (Creation) ينبثق من خيال المؤلف الذي يتوارى خلف الكواليس كإله محايد، صانعاً صورة مثلى للإنسان تتجاوز الحقيقة الفجة.

5. الرواية والتاريخ: جدلية التمرد والارتباط العضوي

يبقى الارتباط بين الرواية والتاريخ محل نزاع نقدي عميق؛ فبينما يرى سارتر وأصحاب النزعة التاريخية ضرورة "تأريخ الوجود" عبر السرد، ترفض الرواية الجديدة هذا القيد محاولةً التمرد على الزمن والخروج من جلد التاريخ. ومع ذلك، يطرح المقال سؤالاً جوهرياً: هل تملك الرواية حقاً القدرة على الانفصال عن التاريخ بينما كل عناصرها من شخوص وأحداث وأمكنة تستقي مادتها من صميم المجتمع وعلاقاته؟ إن الرواية قد تكون تاريخاً "بشكل آخر"، ربما هو أصدق وأجمل من التأريخ الرسمي.

6. صمود الجنس الروائي: من عهد الانحطاط إلى التجديد

يرفض المقال التحامل الذي يربط ازدهار الرواية بعهود الانحطاط الثقافي، مؤكداً أن الرواية فن حي يزدهر في عصور الاستنارة كما قد يبرز في العهود المظلمة. ورغم فقدانها لبعض منزلتها التقليدية التي تبوأتها في القرن التاسع عشر، إلا أنها أثبتت مرونة فائقة عبر "تغيير جلدها" وبناء نفسها على أنقاض الشكل القديم. إن الرواية اليوم ليست مجرد حكاية خيالية، بل هي "إبـداع" مستمر يعيد صياغة الكون بطريقة المؤلف الخاصة، محولةً الوجود الإنساني إلى نص سردي خالد.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Al-Fattany Beauty Channel Vip تقييم 4.95 من 5.
المقالات

1066

متابعهم

652

متابعهم

6686

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.