دستور الفروسية والمجاملة: تقنين عواطف العصر الوسيط

دستور الفروسية والمجاملة: تقنين عواطف العصر الوسيط

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

دستور الفروسية والمجاملة: تقنين عواطف العصر الوسيط

image about دستور الفروسية والمجاملة: تقنين عواطف العصر الوسيط

 

1. الحب كمنظومة علمية وميراث تاريخي

لم يكن اعتبار الحب فنًا قابلاً للدراسة والممارسة فكرة وليدة الصدفة في العصر الوسيط، بل كانت امتداداً لتقاليد قديمة تعود إلى عصر الشاعر الروماني "أوفيد". ومع ذلك، أضفى العصر الوسيط طابعه الخاص على هذا التعليم، حيث صبغه بروح النظام الكهنوتي والإقطاعي السائد. فالمجتمع الذي قامت أركانه على حقوق وواجبات متبادلة ودقيقة، وجد لزاماً عليه أن يضع للحب قانوناً لا يقل صرامة عن قوانين الفروسية، ليتحول "عشق السيدة" إلى التزام إقطاعي يكرس له الفارس حياته وفق قواعد معلومة وتفاصيل محددة.

2. مدارس القرن الثاني عشر ومجالس الحب

شهد القرن الثاني عشر، وخاصة في جنوب فرنسا، ازدهاراً منقطع النظير للمدارس الفكرية التي لم تكتفِ بتعليم اللاهوت، بل امتدت مناهجها لتشمل قضايا الأخلاق والفلسفة العاطفية. في هذه البيئة العلمية، كانت مسائل الحب تُناقش بنفس المنهجية المدرسية الصارمة القائمة على "القضية والمقابلة والنتيجة المنطقية". ولحسم النزاعات العاطفية المترتبة على حساسية الضمائر لدى العشاق، برزت الحاجة إلى وجود "قانون مرجعي" للحب، وهو ما قدمه "أندريه لوشابيلان" في أعماله التي أرّخت لآداب الملاطفة والمجاملة.

3. الملاطفة كفضيلة اجتماعية وأخلاقية

تتجلى نظرية "أدب الملاطفة" في ضرورة تحلي الفارس بصفات الكرم والنجابة؛ فالفارس الحقيقي لا ينتظر طلباً للعون، بل يبادر بالإحسان بقلب فرح. هذا الدستور يفرض عليه احترام السلطة الروحية والزمنية، والتواضع مع الجميع، والابتعاد عن الغيبة والنميمة التي تطرد صاحبها من "موطن الأدب". كما تشدد القواعد على ضبط النفس، والضحك المعتدل، والشجاعة في الميدان، مع التأكيد على أن سلوك الحب يتطلب فطنة عالية وممارسة ذكية لكل المعارف الإنسانية، بعيداً عن الكذب أو الخداع.

4. أحكام الحب الثلاثة عشر وصون الأسرار

تتمحور القواعد الجوهرية للحب حول ثلاثة عشر حكماً قاطعاً، تضع الكرم والصدق في مقدمة الفضائل. يحذر هذا القانون من إفشاء أسرار الأصدقاء، ويدعو العاشق إلى صون نفسه وتوجيه ولائه الكامل لمحبوبته دون تحول أو تلاعب. كما يضع معايير اجتماعية لاختيار المحبوبة، بحيث لا تكون غاية الحب سبباً في العار. ويؤكد القانون على ضرورة الامتثال لأوامر السيدات والتحلي بالمظهر المؤدب الدائم، مع الحفاظ على مساحة من الحياء حتى في أكثر لحظات الحب شغفاً واقتراباً.

5. جدلية الغيرة والوفاء في صكوك الشرف

تستعرض "قواعد الحب" الإحدى والثلاثون، التي نُسبت لملك الحب في بلاط الملك آرثر، الجوانب النفسية والوجودية للعلاقة؛ فمن لا يغار لا يحب، والحب الحقيقي في زيادة أو نقصان دائمين. تصف هذه القواعد حالة العاشق الجسدية والنفسية، من شحوب اللون وارتعاش القلب عند رؤية المحبوب، إلى الأرق الذي يصهر المحبين. كما تقرر مبادئ صارمة، مثل عدم إمكانية الحب الحقيقي دون أمل، وأن "المزية" وحدها هي التي توصل الفرد إلى أهلية الحب، مع التأكيد على أن الحب الجديد يطرد القديم.

6. تعميم القوانين وخلود دستور "ملك الحب"

اختتمت هذه الممارسة التاريخية بقبول هذه القواعد بالإجماع في البلاطات الكبرى، مثل بلاط إليونور وكونتيسة شامباني. أصبحت هذه القواعد، المكتوبة في "صكوك شرف"، مرجعاً عالمياً يجب مراعاته بدقة تحت سلطة "ملك الحب". لقد تحولت هذه الأحكام من مجرد نصائح أدبية إلى "كاتيكيزم" (تعاليم) عاطفي يحفظه الجلساء، ويحمله كل من يغادر البلاط لينشره بين العشاق في كافة أنحاء العالم، مما ضمن ديمومة هذا النمط من الحب العذري والمجامل كإرث حضاري للعصور الوسطى.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Al-Fattany Beauty Channel Vip تقييم 4.95 من 5.
المقالات

1080

متابعهم

653

متابعهم

6688

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.