الفيمتوثانية: عندما يتوقف الزمن داخل الذرة
الفيمتوثانية: عندما يتوقف الزمن داخل الذرة

منذ قديم الزمان والإنسان يسعى لفهم الزمن وقياسه بدقة، فبدأ بالساعات الشمسية، ثم الساعات الميكانيكية، وصولًا إلى الساعات الذرية فائقة الدقة. لكن مع تطور العلوم الحديثة، لم تعد الثانية وحدة صغيرة بما يكفي لدراسة ما يحدث داخل الذرات والجزيئات. هنا ظهر مفهوم الفيمتوثانية، كوحدة زمنية تمثل 10⁻¹⁵ من الثانية، وهي مدة قصيرة لدرجة أن العقل البشري يجد صعوبة في تخيلها.
لفهم مدى صغر الفيمتوثانية، يمكننا إجراء مقارنة تقريبية: إذا كانت الثانية الواحدة تمثل مدة تعادل عمر إنسان مقارنة بعمر الكون، فإن الفيمتوثانية تمثل ثانية واحدة مقارنة بعمر الإنسان. هذه المقارنة توضح مدى ضآلة هذا الزمن، ومع ذلك فهو يحمل أهمية هائلة، لأن بداخله تحدث العمليات الأساسية التي تحدد طبيعة المادة والحياة نفسها.
داخل الذرة، تتحرك الإلكترونات بسرعات هائلة، وتتشكل الروابط الكيميائية وتنقطع في أزمنة تُقاس بالفيمتوثواني. قبل اكتشاف طرق قياس هذا الزمن، كان العلماء يعتمدون على دراسة المواد قبل التفاعل وبعده، ويستنتجون ما حدث في المنتصف. لكن مع تطور تقنيات الليزر فائق السرعة، أصبح من الممكن “تصوير” التفاعل الكيميائي لحظة بلحظة.
العالم المصري الأمريكي أحمد زويل كان رائدًا في هذا المجال، حيث أسس علمًا جديدًا يُعرف باسم “كيمياء الفيمتو”. استخدم نبضات ليزر قصيرة للغاية لالتقاط صور متتابعة لحركة الذرات أثناء التفاعل الكيميائي. هذا الإنجاز العلمي الفريد منحه جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، تقديرًا لدوره في تمكين العلماء من رؤية ما كان يُعد غير مرئي.
تعتمد تقنية الفيمتوثانية على إرسال نبضة ليزر قصيرة جدًا لتحفيز التفاعل الكيميائي، ثم إرسال نبضة ثانية بعد زمن قصير جدًا لقياس التغيرات التي حدثت. ومن خلال تكرار التجربة بفواصل زمنية مختلفة، يمكن تكوين تسلسل دقيق يمثل “فيلمًا” لحركة الجزيئات. بهذه الطريقة، تحول التفاعل الكيميائي من عملية نظرية إلى مشهد يمكن تحليله بدقة علمية.
تطبيقات الفيمتوثانية واسعة ومتنوعة. في الطب، تُستخدم ليزرات الفيمتوثانية في جراحات العيون الدقيقة، مثل عمليات تصحيح الإبصار، حيث توفر دقة متناهية وتقلل من المضاعفات. في الفيزياء، ساعدت هذه التقنية على دراسة سلوك الإلكترونات في المواد فائقة التوصيل، مما ساهم في تطوير الإلكترونيات الحديثة. كما تلعب دورًا مهمًا في أبحاث الطاقة الشمسية من خلال فهم كيفية انتقال الطاقة داخل الجزيئات الضوئية.
الأهمية الحقيقية للفيمتوثانية لا تكمن فقط في قياس زمن صغير، بل في قدرتها على كشف أسرار الطبيعة في أدق مراحلها. إنها تمثل نقطة التقاء بين التكنولوجيا المتقدمة والفضول العلمي، حيث أصبح الإنسان قادرًا على رؤية “نبض المادة” ذاته.
في النهاية، يمكن القول إن الفيمتوثانية ليست مجرد وحدة زمنية، بل هي ثورة علمية غيرت نظرتنا إلى العالم المجهري. لقد منحت العلماء القدرة على فهم العمليات الأساسية التي تقوم عليها الحياة، وفتحت آفاقًا جديدة للبحث والاكتشاف. ومع استمرار التطور التكنولوجي، قد تقودنا دراسة هذا الزمن المتناهي الصغر إلى اكتشافات أعظم تغير مستقبل البشرية بأكمله.