جناية "التوظيف" على "التكليف": هل العلم وسيلة عيش أم غاية وجود

جناية "التوظيف" على "التكليف": هل العلم وسيلة عيش أم غاية وجود

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

image about جناية ​جناية "التوظيف" على "التكليف": هل العلم وسيلة عيش أم غاية وجود؟

[المقدمة]

هل سألت نفسك يوماً: هل العلم وسيلة لكسب الرزق أم هو الرزق في حد ذاته؟ في ممرات بيوتنا، تُمارس اليوم مقايضة صامتة وخطيرة؛ حيث يُدفع بالأبناء نحو مقاعد الدراسة لا طلباً لنور المعرفة، بل بحثاً عن "ضمان مالي" موهوم. في هذا المقال، سنتعرف سويًا على كيفية تصحيح هذا المسار التربوي، ونوضح لماذا يعد حصر التعليم في الوظيفة جناية معرفية تُقزم العقل البشري، وكيف نعيد للأبناء طمأنينة الإيمان بأن الرزق مكتوب والتميز العلمي هو باب الابتكار والغنى الحقيقي.

أولاً: وهم الأمان المالي وسراب الوظيفة التقليدية

​يصر الكثير من الآباء على سجن الأبناء في تخصصات معينة بدعوى تأمين المستقبل، غافلين عن أن لغة الأرقام والواقع العالمي أصبحت تثبت عكس ذلك تماماً. فوفقاً لتقارير المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن حوالي 65% من طلاب المدارس اليوم سيعملون في وظائف لم تُخترع بعد! وفي مجتمعاتنا، تشير الإحصائيات إلى أن ما يقرب من 40% من الخريجين يعملون في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم، مما يجعل "الشهادة من أجل الوظيفة" رهانًا خاسرًا وتضييعاً لجوهر العلم الحقيقي الذي ينبغي أن يحرر العقل لا أن يقيده.

ثانياً: لماذا يعد العلم رزقاً مستقلاً بذاته؟

​إن هذا الإصرار الأبوي أورثنا جيلاً يعاني من "الخواء المعرفي"؛ يحمل شهادة لا يحبها، ليعمل في مهنة لا يتقنها، بحثاً عن مالٍ كان سيأتيه في كل حال لو أنه أخلص في طلب العلم لذاته. وهنا تكمن الصدمة الحقيقية التي نغفل عنها كمسلمين؛ لقد نسينا أن "العلم نوع من أنواع الرزق"، بل هو أسمى الأرزاق على الإطلاق. فكما أن المال رزق، فإن الفهم والحكمة والذكاء هي أرزاق يسوقها الله للعبد بسعيه، ومن الخطأ الفادح أن نجعل "المطلوب سعيُه" (العلم) خادماً لـ "المكفولِ ضمانُه" (الرزق المادي).

ثالثاً: العلم يجعلنا نبتكر لا نبحث عن الوظائف

​إن الفلسفة التربوية الحقيقية يجب أن تقوم على مبدأ: "تعلّم لتصنع فرصتك، لا لتنتظر فرصة الآخرين". العلم الحقيقي هو الذي يمنح الابن القدرة على الابتكار والخلق والإبداع، مما يجعله "صاحب عمل" أو "مبتكراً للحلول" بدلاً من أن يكون مجرد باحث عن وظيفة في طابور طويل. عندما نربي أطفالنا على أن العلم أداة للابتكار، نحن نحولهم من "عالة على الاقتصاد" إلى "محركين للاقتصاد"، ونغرس فيهم اليقين بأن العقل المبتكر هو الذي يلاحقه الرزق والمال، وليس العكس.

رابعاً: كيف نزرع في أطفالنا أن العلم هو طريق الغنى؟

​بدلاً من ربط الشهادة بـ "الراتب"، يجب أن نغرس في طفلنا أن العلم هو المحرك الحقيقي لكل أنواع الغنى. نعلّم الطفل أن الإنسان المتعلّم المبدع هو الذي "يصنع" غناه بيده؛ فإذا ملكت العلم، سيسعى المال إليك لأنك تملك مفتاح الحلول التي يحتاجها الناس. العلم يجعلك غنياً عن الناس، فالمتسلح بالمعرفة والقدرة على الابتكار يمتلك "أماناً داخلياً" لا تهزه تقلبات السوق أو الأزمات المالية، لأنه يثق في الرزق الذي يوقره في صدره وعقله قبل جيبه.

خامساً: المنظور الإيماني واليقين بأن الرزق مقسوم

​في عقيدتنا الإسلامية، العلم "تعبد" وعمارة للأرض، بينما الرزق المادي "مكفول" بالقدر ومقسم مع الأنفاس، كما قال سبحانه: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}. إن ربط العلم بالوظيفة هو نوع من "الاستلاب المادي" الذي يوهم الأبناء بأن الشهادة هي "الرزاق"، بينما الحقيقة أن العلم هو الفتح الرباني الذي ينير البصيرة ويفتح أبواب السماء والأرض. نحن بحاجة ماسة لثورة تصحيحية تحرر العلم من قيد "السلعية" ليعود لمكانته كعبادة تسمو بالروح وتجلب البركة.

​وإلى هنا ياصديقي نكون قد انتهينا من توضيح الفجوة التربوية الكبرى في مفهوم العلم والرزق. إننا ندعو كل أب وأم أن يحرروا أبناءهم من قيد القلق المادي ليتفرغوا لبناء القوة العلمية والابتكارية الحقيقية؛ فالعالم اليوم لا يحتاج إلى موظفين تقليديين، بل إلى مبتكرين بقلوب مؤمنة. تذكر دائماً أن العلم رزقٌ يبقى والمال عرضٌ يزول، ومن أُعطي رزق العلم، فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها. ننتظر آراءكم في التعليقات حول كيفية غرس ثقافة الابتكار بدل التوظيف في أجيالنا القادمة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Waleed Ahmed تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.