بين العُسر واليُسر: كيف تصنع معاملتك للآخرين شكل حياتك؟
بين العُسر واليُسر: كيف تصنع معاملتك للآخرين شكل حياتك؟
هل سألت نفسك يوماً: لماذا تُغلق الأبواب في وجهي؟ ولماذا كلما أردت أمراً أو سعيت في طريق تعسّر عليّ وواجهت العقبات؟
قبل أن تبحث عن الأسباب الخارجية، دعنا نطرح سؤالاً جوهرياً يعيد تشكيل رؤيتك للأمور: هل أنت شخصٌ هيّنٌ ليّنٌ تختار اليسر في معاملاتك اليومية، أم تُعقّد الأمور وتُشدّد على من حولك؟ إن كل ما يحدث في حياتنا وغالباً ما نمر به هو حصاد أفعالنا وما نزرعه في علاقاتنا مع الآخرين.
1. قسوة التربية والتشديد على الأبناء
تنعكس فلسفة التيسير والتضييق بشكل مباشر داخل البيئة الأسرية. فنجد -على سبيل المثال- بعض الآباء يمارسون ضغطاً شديداً على أبنائهم في مختلف جوانب الحياة؛ يطالبونهم بالكمال، ويكلفونهم فوق طاقتهم.
تظهر هذه المشكلة بوضوح في الجانب الأكاديمي؛ حيث يشترط الأب على أبنائه الاستذكار المستمر دون مراعاة لحاجتهم للراحة أو الترفيه، بهدف الحصول على الدرجات النهائية فقط. وإذا نقص الابن درجة أو درجتين، انهال عليه بالعقاب واتهمه بالتقصير والتفريط!
النتيجة؟ يُصاب الابن بإحباط شديد ويأس، ويدرك أنه مهما بذل من جهد لإرضاء والده فلن يرضى، مما يضعف شخصيته ويعدم شغفه بالتعلم.
2. إرهاق الأبناء بالمسؤوليات المبتكرة
ولا يقتصر الأمر على الآباء فقط، بل يمتد إلى الأمهات أيضاً. نرى بعض الأمهات يُكلّفن الأبناء بأعمال منزلية شاقة تفوق قدرتهم الجسدية والعقلية.
بالتأكيد، تُعتبر تربية الأبناء على تحمل المسؤولية أمراً محموداً وضرورياً لبناء شخصيتهم، لكن ذلك يجب أن يتم بتدرّج وبشكل يتناسب مع مرحلتهم العمرية وقدراتهم، حتى لا تتحول التربية إلى عبء نفسي وجسدي يُنفر الأبناء من بيتهم.
3. تعقيد شروط الزواج والمبالغة في الطلبات
ومن أبرز صور العُسر والتشديد في مجتمعاتنا، ما يفرضه بعض الأولياء عند تقدم شاب لخطبة ابنتهم. فتراهم يضعون شروطاً تعجيزية ومتطلبات مالية مرهقة، تحت مبرر "تعزيز الابنة" ورعايتها!
نتيجة لهذا التشديد، يبدأ الزوج حياته الجديدة وهو مكبلٌ بـ ديون ثقيلة، وبدلاً من أن يكون الزواج سكناً ومصدراً للسعادة والرحمة، يتحول إلى عبء مالي ونفسي يُرهق الكاهل ويُكدر صفو الحياة الزوجية من بدايتها.
العكس بالعكس: استغلال التسامح!
على الجانب الآخر، قد نرى صورة معكوسة تماماً؛ حيث يتسامح الأب ويُزوّج ابنته لمن يرضى خُلقه ودينه، قائلاً للخاطب: "جهّز قدر استطاعتك" دون أن يرهقه. لكن المفارقة تكمن في أن بعض الخُطّاب يستغلون هذا التسامح، ويشترطون أموراً مبالغاً فيها في الجهاز ومتطلبات الزواج، وكأنهم يعاقبون الأب على حسن خلقه وتيسيره!
4. الضغوط الزوجية وغياب التقدير
تتجلى صور التضييق أيضاً داخل عش الزوجية بين الزوجين:
- التكاليف المالية المجهدة: تضغط بعض الزوجات على أزواجهن بطلبات مادية تفوق طاقتهم، بسبب عدم الرضا والمقارنة المستمرة بحياة الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي. فيُضطر الزوج للعمل ليل نهار، أو ربما يُساق إلى سلوك طرق غير شرعية لتلبية هذه الطلبات.. ومع ذلك لن ترضى!
- إلقاء اللوم وإهمال الشريك: في المقابل، يُرهق بعض الأزواج زوجاتهم فوق طاقتهن؛ فالزوجة تحاول إدارة البيت ورعاية الأطفال وإعداد كل شيء، ورغم ذلك يظل الزوج ساخطاً لا يرى إلا العيوب والسلبيات. وإذا أخطأ أحد الأبناء، اتهمها فوراً بالتقصير وألقى المسؤولية كاملة على كاهلها! بل إن بعضهن يواجهن القسوة والإهمال حتى في أوقات مرضهن، فلا يجدن كلمة عطف أو تخفيف.
5. بيئة العمل والقيادة بالتعسّف
لا تتوقف دائرة التشديد عند حدود الأسرة، بل تنتقل لتلقي بظلالها على بيئة العمل. يُعاني الكثير من الموظفين من مدراء يمارسون الضغط والتضييق المستمر؛ فمهما بذل الموظف من جهد لإخراج العمل بأفضل صورة ممكّنة، يظل الرئيس غير راضٍ، ويستمر في النقد السلبي وإعادة إنجاز المهام دون موجّه حقيقي، مما يقتل روح الإبداع والإنتاجية لدى الفريق.
6. التشديد على النفس والركض وراء المظاهر
من أشد وأقسى أنواع العُسر: أن يُشدّد الإنسان على نفسه ويُكلفها ما لا تطيق!
نرى الكثيرين يُرهقون أنفسهم مادياً ونفسياً، ويستدينون لمجرد الحصول على "الظهور الاجتماعي" وإرضاء كلام الناس:
- الاقتراض لشراء سيارة فارهة لا تتناسب مع الدخل.
- تجديد أثاث المنزل بصفة مستمرة بدون حاجة.
- إلحاق الأبناء بمدارس دولية ذات مصاريف باهظة.
- إقامة حفلات الزفاف في أغلى الفنادق.
والنتيجة الحتمية هي ضياع الأموال وسداد الديون لسنوات طويلة، دون أن يصل الإنسان لرضا الناس.. فالناس لن يرضوا أبداً!
العبرة والختام: جِنس العمل من جنس الجزاء
إن ما نفعله مع الآخرين من قسوة وتضييق الخناق سنجني ثماره يوماً ما في معاملاتنا وحياتنا؛ فمن يسّر على مسلم يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة.
تذكر دائماً القصة الشهيرة لبني إسرائيل عندما أمرهم الله عز وجل بذبح بقرة؛ فأكثروا من الجدل والعناد والأسئلة لنبيهم موسى (عليه السلام) عن صفاتها ولونها وسنّها. وبسبب هذا التشديد والتعقيد، شدّد الله عليهم، حتى آلت الصفات التعجيزية إلى بقرة مملوكة لشاب يتيم، واضطروا لشراء وزنها ذهباً ليتمكنوا من ذبحها! ولو أنهم سلّموا الأمر من البداية وذبحوا أي بقرة لأجزأتهم.
خلاصة القول: عِش هيّناً ليّناً في بيتك، مع أبنائك، في عملك، ومع نفسك.. تُفتح لك أبواب الخير، وتتيسر لك سُبل الرضا والسعادة.