علماء مصريون: ملكة فئران الخلد العاري تحكم عالمها "بالرائحة"

رائحة تمنع الحمل وتمنع الخلافة: "أيزوبروبيل ميريستات".. السر الكيميائي لسيطرة ملكة الفئران الخلدية العارية عبر البرولاكتين
بقيادة العالم المصري الأستاذ الدكتور "محمد خلاف" الأستاذ المساعد بقسم علم الحيوان والحشرات بكلية العلوم في جامعة أسيوط وسط صعيد مصر، وباحث ما بعد الدكتوراه في مركز ماكس ديلبروك للطب الجزيئي في ألمانيا
في أنفاق مظلمة تحت الأرض، تعيش الفئران الخلدية العارية حياة تبدو أقرب إلى عالم النمل والنحل منها إلى عالم الثدييات. داخل المستعمرة، توجد أنثى واحدة مهيمنة، أو كما نسميها "ملكة"، تتولى إنجاب الصغار. أما بقية الإناث، رغم بلوغهن وقدرتهن النظرية على التكاثر، فتظل ممنوعة من الإنجاب، تعمل وتحفر وتحرس وتشارك في الخدمة.
لسنوات طويلة، عرف العلماء أن وجود الملكة ضروري للحفاظ على هذا النظام؛ فإذا ماتت أو أزيلت من المستعمرة، يبدأ الصراع سريعًا بين الإناث الأعلى رتبة، وقد يتحول إلى عنف قاتل، حتى تصعد أنثى واحدة إلى موقع الملكة. لكن العلماء لم يكونوا مدركين للكيفية التي تمنع بها الملكة بقية الإناث من الإنجاب.
في دراسة جديدة نشرت مؤخراً في دورية "نيتشر" (Nature)، حدد فريق بحثي دولي، مركباً كيميائياًّ تنتجه الملكات بكميات مرتفعة، يعرف باسم "أيزوبروبيل ميريستات" .
ووجد الباحثون أن هذا المركب يظهر بوضوح في الملكات، خصوصا في الإفرازات الجسدية الصادرة منها، بينما يكاد يغيب عن الذكور والإناث غير المتكاثرة. كما ترتفع مستوياته عند الملكة خلال فترة الإباضة، أي عندما تكون في أعلى جاهزيتها الإنجابية.
رسالة كيميائية لا يشمها البشر:
لا تبدو هذه الرائحة واضحة للبشر، لكنها ليست صامتة بالنسبة إلى الفئران الخلدية العارية؛ فعندما اختبر الباحثون استجابة الحيوانات للمركب، وجدوا أنه ينشط الخلايا الشمية في الأنف، ثم مناطق في الدماغ مرتبطة بمعالجة الروائح. وعندما عطل الفريق حاسة الشم مؤقتا لدى بعض الحيوانات، اختفت استجابات مهمة، منها تجنب الأفراد الأعلى رتبة لهذه الرائحة.
وحسب المؤلف الرئيسي للدراسة، محمد خلاف، الأستاذ المساعد بقسم علم الحيوان والحشرات بكلية العلوم في جامعة أسيوط، وباحث ما بعد الدكتوراه في مركز ماكس ديلبروك للطب الجزيئي في ألمانيا، فإن هذا يعني أن المركب ليس مجرد أثر كيميائي عابر في جسم الملكة، بل إشارة تستطيع بقية أفراد المستعمرة التقاطها.
وبعبارة أبسط، يبدو أن الملكة تعلن عن وجودها وحالتها الإنجابية عبر رسالة كيميائية تنتشر في بيئة المستعمرة، حتى لو لم تكن حاضرة مباشرة أمام كل فرد.
يشير محمد إلى أن المركب لم يغير السلوك فقط، بل أثر أيضا في الهرمونات؛ إذ ارتبط وجوده بارتفاع هرمون البرولاكتين، وانخفاض مؤشرات تنشيط المبيض لدى الإناث غير المتكاثرة.
والبرولاكتين معروف في الثدييات بدوره في كبح الخصوبة في بعض الحالات، مثل فترة الرضاعة. وكأن الملكة تستخدم مسارا هرمونيا قديما، وتحوله إلى أداة اجتماعية لإبقاء بقية الإناث خارج سباق الإنجاب.
رائحة تكفي لمنع التحول إلى ملكة:
اختبر الباحثون الفكرة مباشرة من خلال عزل أزواج من ذكور وإناث غير متكاثرة في ثلاثة ظروف مختلفة: فراش نظيف، أو فراش مأخوذ من المستعمرة ويحمل روائحها، أو فراش يضاف إليه يوميا مركب أيزوبروبيل ميريستات.
وفي المجموعة التي عاشت على فراش نظيف، حملت خمس إناث من أصل ست. أما في مجموعة فراش المستعمرة ومجموعة أيزوبروبيل ميريستات، فلم يحدث حمل واحد.
تشير هذه النتيجة إلى أن المركب وحده كان قادرا على منع التحول نحو التكاثر، أو على الأقل إبقاء الجهاز التناسلي للإناث في حالة كبح. وهذا مهم لأن الإناث المعزولة عن المستعمرة تستطيع عادة استعادة نشاطها الإنجابي عندما تزول سيطرة الملكة، لكن وجود هذه الرائحة بدا كافيا لتعطيل هذا المسار، وفقا للباحث.
أزال الباحثون الملكة من مستعمرة كاملة، لكنهم أضافوا أيزوبروبيل ميريستات يوميا إلى الفراش لمدة اثنا عشر أسبوعاً. وعلى عكس ما يحدث عادة بعد غياب الملكة، ظلت المستعمرة مستقرة، ولم يظهر الصراع المتوقع على الخلافة. لكن عندما توقف الباحثون عن إضافة المركب، انخفض البرولاكتين، وارتفعت مؤشرات النشاط التناسلي، وبدأ العدوان بين الإناث، ثم صعدت أنثى جديدة وأصبحت ملكة.
وبهذا، تبدو الرائحة كأنها تؤدي دور "ظل الملكة" داخل المستعمرة. فهي لا تحمل فقط معلومة عن وجودها، بل تساعد على تثبيت النظام الاجتماعي والإنجابي، وتمنع الإناث الأخرى من الدخول في سباق الخلافة ما دام أثر الملكة الكيميائي حاضراً.
أسئلة بدون إجابات:
مع ذلك، لا تقدم الدراسة كل الإجابات، فقد أجريت أغلب التجارب في مستعمرات معملية، ولا يزال من غير الواضح كيف يعمل المركب بالضبط في المستعمرات البرية الأكثر تعقيداً، حيث تتداخل الروائح والسلوكيات والتفاعلات اليومية بين مئات الأفراد. كما لا يمكن استبعاد أن إشارات أخرى، صوتية أو سلوكية أو كيميائية، تشارك الملكة في فرض سيطرتها والحفاظ على النظام الاجتماعي، وفقاً للدراسة نفسها.
كذلك لا يعرف الباحثون بعد أي مستقبلات شمية محددة تلتقط مركب أيزوبروبيل ميريستات، ولا كيف تتغير حساسية الدماغ له عندما تصبح أنثى ما ملكة. فالصعود إلى موقع الملكة لا يعني تغير السلوك فقط، بل يترافق مع تغيرات جسدية وهرمونية عميقة، وما زال العلماء يحاولون فهم كيف تبدأ هذه التحولات وكيف تستقر.
ومولت الدراسة من جمعية هلمهولتز، ومجلس البحوث الأوروبي، وجمعية ماكس بلانك، وزمالات ألكسندر فون هومبولت، وبرامج دعم بحثية ألمانية وجنوب أفريقية. وأعلن الباحثون عدم وجود تضارب مصالح.
عنوان المرجع العلمي للدراسة العلمية الحديثة المنشورة على موقع دورية "نيتشر" "Nature" المنشورة بتاريخ يوم الأربعاء الماضي الموافق الخامس عشر من شهر "يوليو/ تموز" الجاري
:
"A queen odour mediates reproductive suppression in a eusocial mammal"
"رائحةُ الملكةِ تَوسِطُ في كَبْحِ التكاثُرِ لدى ثديٍّ اجتماعيٍّ حقيقيٍّ"
ملخص المرجع العلمي للدراسة العلمية الحديثة المنشورة على موقع دورية "نيتشر" "Nature" المنشورة بتاريخ يوم الأربعاء الماضي الموافق الخامس عشر من شهر "يوليو/ تموز" الجاري
:
"Eusociality is exceptionally rare in mammals, and its proximate mechanisms remain poorly understood. Naked mole-rats provide a striking example, with reproduction restricted to a single queen, while all other females remain infertile1. Here we identify a chemical signal in queens that can regulate this reproductive hierarchy. Isopropyl myristate is a low-volatility ester that is enriched in queens and nearly absent from non-breeding animals. Isopropyl myristate is detected by peripheral and central olfactory neurons and elicits avoidance in high-ranking animals. Exposure alters levels of prolactin and progesterone in non-breeders to suppress reproduction. Daily addition of isopropyl myristate to a queenless colony prevented queen succession, whereas withdrawal triggered aggression and reproductive competition. Isopropyl myristate was also detected in breeding females of several Fukomys mole-rat species, but reaches higher levels in naked mole-rats, paralleling their extreme reproductive skew. These findings reveal a chemical cue that can mediate reproductive suppression in a mammal, linking insect and mammalian eusociality".
"إنّ ظاهرةَ التَّقَاصُرِ الاجتماعيِّ (أو: الأُحاديَّةِ الاجتماعيَّةِ الحقيقيَّةِ) نادرةٌ استثنائياً في الثدييَّات، ولا تزالُ آليَّاتُها المُباشِرَةُ (أو: القريبةُ) غيرَ مفهومةٍ فهماً كافياً. وتُقدِّمُ فئرانُ الخُلدِ العاريةُ مثالاً بارزاً في هذا الصدد، إذ يقتصرُ التكاثرُ فيها على ملكةٍ واحدةٍ، بينما تظلُّ جميعُ الإناثِ الأُخرياتِ عاقراتٍ¹. نكشفُ هنا عن إشارةٍ كيميائيَّةٍ في الملكاتِ يمكنُها تنظيمُ هذا التسلسُلِ الهرميِّ التكاثريِّ. فمادَّةُ ميريستاتِ الأيزوبروبيل (Isopropyl myristate) هي إسترٌ منخفضُ التطاير، وتكونُ مرتفعةَ التركيزِ في الملكاتِ، وتكادُ تكونُ غائبةً عن الحيواناتِ غيرِ المتناسلةِ. تُكتَشَفُ مادَّةُ ميريستاتِ الأيزوبروبيل بواسطةِ العصبوناتِ الشمِّيَّةِ المُحيطيَّةِ والمركزيَّةِ، وتُحدِثُ سلوكَ تَجَنُّبٍ لدى الحيواناتِ الرفيعةِ المرتبةِ. كما يؤدِّي التعرُّضُ لها إلى تغييرِ مستوياتِ كلٍّ من هرمونِ البرولاكتينِ والبروجستيرونِ في الحيواناتِ غيرِ المتناسلةِ، مما يُثبِّطُ التكاثرَ. وقد أدَّتِ الإضافةُ اليوميَّةُ لمادَّةِ ميريستاتِ الأيزوبروبيل إلى مستعمرةٍ خاليةٍ من الملكةِ إلى منعِ تَوارُثِ منصبِ الملكةِ، بينما أدَّى سَحْبُها إلى إثارةِ العدوانِ والتنافسِ التكاثريِّ. كما رُصِدَتْ مادَّةُ ميريستاتِ الأيزوبروبيل في إناثٍ مُنْتِجَةٍ (خِصْبَةٍ) من عدةِ أنواعٍ من فئرانِ الخُلدِ من جنسِ Fukomys، لكنَّها تصلُ إلى مستوياتٍ أعلى في فئرانِ الخُلدِ العاريةِ، ممَّا يتوازى مع الانحرافِ التكاثريِّ الشديدِ (أو: التفاوتِ التكاثريِّ الحادِّ) لديها. تُظهِرُ هذه النتائجُ وجودَ إشارةٍ كيميائيَّةٍ قادرةٍ على التوسُّطِ في كَبْحِ التكاثرِ لدى حيوانٍ ثدييٍّ، مما يربطُ بين ظاهرةِ التَّقَاصُرِ الاجتماعيِّ في الحشراتِ ونظيرتِها في الثدييَّات".
مصدر المرجع العلمي للدراسة العلمية الحديثة المنشورة على موقع دورية "نيتشر" "Nature" المنشورة بتاريخ يوم الأربعاء الماضي الموافق الخامس عشر من شهر "يوليو/ تموز" الجاري تجدونه في الرابط الأول بأسفل المنشور
:
الرابط الأول بأسفل المنشور
:
https://www.nature.com/articles/s41586-026-10772-5
مصدر الدراسة العلمية الحديثة المنشورة على موقع معهد "ماكس ديلبروك" "Max Delbruck" المنشورة بتاريخ يوم الأربعاء الماضي الموافق الخامس عشر من شهر "يوليو/ تموز" الجاري تجدونه في الرابط الثاني بأسفل المنشور
:
الرابط الثاني بأسفل المنشور
:
https://edoc.mdc-berlin.de/id/eprint/26630/