آخر شخص استيقظ في هذا العالم
العالم بلا بشر... هل هو نعمة أم لعنة؟

استيقظت كأي صباح.
فتحت عينيك، ونظرت إلى هاتفك.
لا إشعارات.
لا رسائل.
لا مكالمات.
ابتسمت في البداية، وقلت: “يبدو أن الجميع ما زالوا نائمين.”
لكن عندما خرجت إلى الشارع…
كان الصمت مختلفًا.
لا سيارات.
لا أطفال.
لا أصوات.
لا أحد.
مشيت خطوات طويلة، وأنت تنادي بأعلى صوتك.
لكن العالم لم يجب.
دخلت إلى المتاجر، وإلى البيوت، وإلى الأماكن التي كانت يومًا تعج بالحياة.
كل شيء موجود…
إلا البشر.
في البداية، شعرت بحرية لم تتخيلها.
لا قوانين.
لا ازدحام.
لا مواعيد.
كل شيء أصبح ملكك.
لكن بعد ساعات قليلة…
بدأت تكتشف الحقيقة.
ما قيمة مدينة كاملة، إذا لم تجد شخصًا واحدًا تشاركه دهشتك؟
ما قيمة الطعام، إذا لم تجلس مع أحد على المائدة؟
وما قيمة النجاح، إذا لم تجد من يفرح لك؟
عندها فقط، أدركت أن الإنسان لم يُخلق ليعيش وحده.
فنحن لا نصنع الحياة بالأبنية ولا بالأموال، بل بالقلوب التي تسكنها.
الأم التي تنتظر أبناءها.
والصديق الذي يطمئن عليك.
والطفل الذي يملأ المكان ضحكًا.
حتى تلك الخلافات الصغيرة التي كنا نشتكي منها…
قد نشتاق إليها إذا اختفت.
ثم جلست في منتصف الطريق…
ونظرت إلى السماء.
وسألت نفسك:
كم مرة ضجرت من وجود الناس؟
وكم مرة تمنيت أن يختفي الجميع؟
لو تحقق ذلك فعلًا…
هل ستكون سعيدًا؟
ربما لا.
لأن الإنسان يحتاج إلى إنسان آخر.
يحتاج إلى كلمة.
إلى نظرة.
إلى حضن.
إلى دعاء يسمعه من قلب يحبه.
وفي تلك اللحظة، اكتشفت أن أغلى ما نملكه ليس الأشياء…
بل الأشخاص.
وأن الوقت الذي نقضيه مع من نحب، أغلى من كل ما نسعى لجمعه.
وربما لهذا، علينا ألا نؤجل كلمة "أحبك"، ولا كلمة "سامحتك"، ولا زيارة كنا ننوي القيام بها منذ أشهر.
فلا أحد يعلم متى تصبح الذكريات هي كل ما نملكه.
وفي النهاية…
قد لا يكون أسوأ كابوس أن تصبح آخر شخص على الأرض.
بل أن تدرك، بعد فوات الأوان، أنك لم تمنح من حولك الوقت والمحبة اللذين كانوا يستحقونهما.
فالحياة ليست بعدد الأيام التي نعبرها، بل بعدد القلوب التي نلامسها، وبالأثر الطيب الذي نتركه فيمن يشاركوننا هذه الرحلة القصيرة.
ولو أُتيحت لك فرصة أخرى لتبدأ يومك، فابدأه بالامتنان لمن ما زالوا بجوارك، لأن وجودهم نعمة قد لا تدرك قيمتها إلا إذا تخيلت عالمًا يخلو منهم.
وربما بعد أيام من الوحدة، لن يكون أول ما تفتقده هو
الإنترنت أو الضجيج أو حتى مظاهر الحياة الحديثة، بل ستفتقد الأشياء الصغيرة التي لم تكن تلاحظ قيمتها من قبل. ستفتقد صوت أحد ينادي اسمك، ورسالة بسيطة تسأل عنك،
وضحكة عابرة في الطريق،
وحتى الخلافات اليومية التي كنا نظنها عبئًا.
حينها فقط سندرك أن الإنسان لا يعيش بالأماكن، بل بمن يشاركه إياها.
وأن العالم، مهما كان واسعًا وجميلًا، يفقد جزءًا كبيرًا من معناه إذا غاب من نتقاسم معه لحظاته وذكرياته. فوجود الآخرين ليس تفصيلًا في حياتنا... بل جزء من معنى الحياة نفسها.
قد نبحث طوال حياتنا عن أماكن جديدة... ثم نكتشف أن أجمل ما في الحياة كان الأشخاص الذين ساروا معنا فيها
ببساطة مع دعاء ✨