كيف تحولت 'اللايكات' إلى عملة لشراء القيم وبورصة لبيع الأخلاق

كيف تحولت 'اللايكات' إلى عملة لشراء القيم وبورصة لبيع الأخلاق

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about كيف تحولت 'اللايكات' إلى عملة لشراء القيم وبورصة لبيع الأخلاق

كيف تحولت 'اللايكات' إلى عملة لشراء القيم وبورصة لبيع الأخلاق

طوفان "اللايكات" وتآكل القيم: عندما يُقاس الشرف بعدد المشاهدات

نعيش اليوم في عصر يُطلق عليه علماء الاجتماع اسم "اقتصاد الانتباه"، حيث لم تعد السلع المادية هي المحرك الوحيد للسوق، بل أصبح "انتباه" المستخدم ووقت شاشته هو النفط الجديد. ومع تحول منصات التواصل الاجتماعي (مثل تيك توك، يوتيوب، وإنستغرام) إلى مصادر رئيسية لتحقيق ثروات طائلة وسريعة عبر نظام "الربح من المشاهدات"، برزت ظاهرة سلوكية مرعبة: علاقة طردية واضحة بين زيادة هوس الأرقام وانهيار المستوى الأخلاقي لدى شريحة متزايدة من الرجال والنساء.

جدلية المال والقيمة: كيف يُفسد "التريند" الفطرة؟

في الماضي، كان كسب الرزق يرتبط بالجهد، المهارة، أو تقديم فائدة حقيقية للمجتمع. أما اليوم، فإن خوارزميات المنصات الرقمية لا تكافئ الأفضل أخلاقياً أو الأكثر علماً، بل تكافئ الأكثر "إثارة للجدل". الخوارزمية حافز أعمى؛ ترفع من شأن المحتوى الذي يقضي فيه المستخدم أطول وقت ممكن، وغالباً ما يكون هذا المحتوى مستفزاً، غريزياً، أو خارجاً عن المألوف.

هذا الحافز المادي أحدث خللاً في المنظومة الأخلاقية، حيث تحولت الأخلاق من "مبادئ ثابتة" إلى "عقبات تعيق الثراء". عندما يرى صانع المحتوى أن التزامه بالقيم لا يجلب له سوى بضعة مشاهدات، بينما يجلب الابتذال ملايين المشاهدات وآلاف الدولارات، يبدأ التنازل التدريجي؛ يبدأ الأمر بنكتة خارجة، ثم يتطور إلى انتهاك الخصوصية، لينتهي ببيع الحياء علناً.

سقوط الحياء: النساء في فخ "التسليع الرقمي"

على الجانب الأنثوي، شكلت هذه المنصات ضغطاً هائلاً نحو "تسليع الجسد". فتحت مسمى "الحرية" أو "مواكبة الموضة"، وقعت كثيرات في فخ استغلال المفاتن لجذب الانتباه. لم يعد الأمر يقتصر على عرض تفاصيل الحياة اليومية، بل وصل إلى استعراض أجساد، ورقصات مبتذلة، ونقاشات خادشة للحياء في بث مباشر (Live) يبحث عن "الدعم" والـ "تيكت". هذا السلوك لا يمثل انهياراً لأخلاق الفردية فحسب، بل يساهم في تطبيع الابتذال، وجعل الجسد الأنثوي مجرد أداة لجمع المشاهدات والعملات الرقمية، مما يفقد المرأة هيبتها ومكانتها الفكرية والاجتماعية.

غياب النخوة: الرجال وسقوط القوامة على عتبات "المشاهدات"

أما على الجانب الذكوري، فإن الانهيار الأخلاقي اتخذ شكلاً لا يقل خطورة؛ وهو غياب "النخوة" وتآكل مفهوم "الرجولة الحقيقية". في سبيل المشاهدات، أصبحنا نرى رجالاً يتاجرون بخصوصيات زوجاتهم وبناتهم، ويصنعون "مقالب" مستفزة تمس الشرف أو تظهر أهل بيتهن بمظهر غير لائق، فقط لكي يتحدث الناس عنهم. تحول الرجل في بعض هذه النماذج من "حمى" للأسرة ومصدر لقيمها، إلى "مخرج سينمائي" يوجه عائلته لتقديم محتوى هابط. هذا السقوط يعكس انهياراً في مفهوم القوامة والمسؤولية، حيث تُقايض الكرامة الإنسانية والغيرة الفطرية بحفنة من الدولارات.

المجتمع يدفع الثمن: من الهامش إلى الصدارة

الخطورة الكبرى لهذه الظاهرة لا تقتصر على الأفراد الذين يمارسونها، بل في "تأثير العدوى". إن رؤية المراهقين والشباب لهذه النماذج وهي تحقق الثراء السريع والشهرة والنفوذ الاجتماعي، يجعلهم يعتقدون أن التعليم، الأدب، والعمل الشريف هي خيارات "الفاشلين". هذا يؤدي إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي، بحيث تصبح الوقاحة "جرأة"، والابتذال "ذكاء تسويقي"، والحياء "عقدة نفسية".

خاتمة: نحو ثورة وعي

إن الربح من المشاهدات ليس شراً مطلقاً، فهناك من يستخدمه لتقديم علم نافع أو فن راقٍ. لكن عندما يصبح المال هو الإله المعبود، تصبح الأخلاق أولى الضحايا. إن مواجهة هذا الانهيار تتطلب وعياً مجتمعياً صارماً يبدأ من المستهلك نفسه؛ فكل ضغطة زر، وكل مشاركة لمحتوى هابط، هي بمثابة تمويل مباشر لهذا الانهيار. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لـ "سلاح المقاطعة الرقمية"، وتذكير أنفسنا بأن الكرامة الإنسانية أغلى بكثير من أن تُعرض في مزاد "اللايكات".

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
عبدالجليل تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-