يغيب العقل حين يحكمه الهوى: البيوت بين مطرقة الذكورية الرقمية وسندان النسوية الراديكالية
يغيب العقل حين يحكمه الهوى: البيوت بين مطرقة الذكورية الرقمية وسندان النسوية الراديكالية

بقلم: سمر رمضان
أكبر وهمٍ يعيشه الإنسان المعاصر هو ظنه أن شهادته الجامعية المرموقة، أو مكانته العلمية والاجتماعية، تحميه من الجهل؛ فالعقل يغيب تماماً حين يحكمه هوى السيطرة ووهم المظلومية.
في ظل العصر الرقمي والتكنولوجيا المتسارعة، أصبح العالم يُحكم بضغطة إصبع، وتصدرت وسائل التواصل الاجتماعي المشهد لتكون الوسيلة الأولى في السيطرة على العقول، وتوجيه العواطف، ونشر الأفكار الخبيثة. واليوم، لم تعد البيوت تُخرب بتدخل الأهل أو بضيق ذات اليد فحسب، بل باتت تُهدم بـ "الريموت كنترول" وخوارزميات المنصات الافتراضية. في غرف المعيشة اليوم، يدور صراع صامت؛ يجلس زوجٌ يشحن عقله بفكر ذكوري مستحدث يرى في زوجته عدواً يجب إخضاعه، وتجلس أمامه زوجةٌ تتغذى من منصات نسوية راديكالية ترى في زوجها سجاناً يجب التمرد عليه. وما بين هذين التطرفين، يغيب العقل تماماً حين يحكمه هوى الصراع، ويقع "الكيان الأسري" فريسة طيعة لأفكار وافدة غُيب فيها الإنصاف، وتسيّدها حب الامتلاك أو شهوة الاستغناء.
أولاً: الذكورية المستحدثة وظاهرة "الريد بيل" (فيروس العقول الفارغة)
لقد انتشر في الآونة الأخيرة فكر هجومي متطرف مضاد للنسوية الراديكالية يحمل اسم "الريد بيل" (أو الحبة الحمراء)، وتغلغل كالفيروس في عقول الشباب والرجال، لم يفرق بين كبير وصغير، وأحدث تخريباً حقيقياً في البيوت واستقرار العلاقات الزوجية.
أصل هذا المصطلح مستعار من فيلم الخيال العلمي الشهير The Matrix، حيث ترمز الحبة الحمراء عندهم إلى "الاستيقاظ ورؤية الحقيقة المرة"، بينما الحبة الزرقاء تعني البقاء في الوهم المريح. يزعم أصحاب هذا الفكر أن العالم محكوم بـ "نظام نسوي عالمي" يخدع الرجال، وأن الرجل الذي يتناول هذه الحبة هو الذي أدرك المؤامرة وقرر المواجهة. والمؤسف حقاً، أن المجتمع العربي تبنى هذا الفكر الغربي المادي وربطه بالموروث الثقافي، بل وتمت صياغته بصبغة دينية محرفة لم يكن الإنصاف والعدل فيها هو الحاكم، بل الحاكم هو الهوى، وحب الامتلاك، والسيطرة.
والمشكلة الأكبر تكمن في أن الصفحات والمنصات التي تبث هذا الفكر تزايدت بشكل مرعب وأصبح لها آلاف المتابعين. وللأسف، فإن هؤلاء المتابعين ليسوا من الجهلاء، بل فيهم رجال متعلمون؛ منهم المدرس، والمهندس، وطبيب الجامعة، والصيدلي، والأطباء.. لكنها شهادات تحملها عقول فارغة! فلا عقل يفكر أو يملك البصيرة ليقول "هذا خطأ" إلا من رحم ربي.
يسير هذا الفكر وفق عقيدة مادية مستمدة مما يسمى "علم النفس التطورى"، حيث يُصنفون المرأة ككائن نفعي مادي بحت، يبحث في الرجل عن المال والثروة فقط، ومبرمجة بيولوجياً على "فرط التزاوج" (Hypergamy)، أي التخلي عن زوجها بمجرد العثور على من هو أغنى أو أقوى. وبناء على ذلك، قسّموا الرجال إلى رجل "ألفا" القائد المسيطر، ورجل "بيتا" الطيب المنفق الذي تستغله النساء، ونادوا بأن الرجل يجب ألا يضع مشاعره في امرأة أبداً، بل يتعامل معها كأداة للمتعة أو الخدمة فقط، وأن طاعتها العمياء له وخدمتها وتربيتها للأبناء هي أقصى حقوقها، أما حقها عليه فقد اختزلوه في لقمة الأكل والشرب فحسب!
لقد انعكس هذا الفكر سريعاً في صورة "بخل عاطفي ومادي" مرعب، هرباً من أن يوصف الرجل بالضعف أو يُطلق عليه المصطلح المهين الذي يتداوله أصحاب هذا الفكر لوصف الرجل الذي يحترم زوجته. وبات هؤلاء يتلقفون الفتاوى والأقوال الشاذة والنادرة في التراث ليبرروا بخلهم وتسلطهم؛ فصاروا ينادون علناً بأن علاج الزوجة يقع على عاتق أبيها لا زوجها، وأن الأب غير ملزم بمصاريف المدارس والمواصلات لأبنائه، وأن نفقة الرجل على أهله (أمه وأخواته) أولى وأهم من نفقته على زوجته وأولاده! لقد زرع هذا الفكر في نفوس الرجال خوفاً وتوجساً دائماً من زوجاتهم؛ فأصبح الزوج يعيش في قلق مستمر، يحلل كل كبيرة وصغيرة، ويطبق كل فكرة مسمومة يسمعها خلف شاشته على زوجته ليرى إن كانت متأثرة بالنسوية أو أن أهلها يحاولون "تخبيبها" عليه. والنتيجة أن الزوج الذي كان يعيش حياة مستقرة وهادئة مع امرأته، تغير معها تماماً، وسلم عقله بالكامل لمنصات ترفع شعار الحفاظ على الأسرة، وهي في الحقيقة "تخرب بيوتهم بأيديهم" وتدعو صراحة إلى قطع صلة الرحم ونزع الروابط الإسرية.
ومن خلال هذا الشرح الدقيق يتضح لنا الفرق الشاسع بين "الذكوري" و "الرجل القوّام":
الذكوري (Red Pill): دافعه هو الخوف الدائم من استغلال المرأة له، وهدفه هو السيطرة المطلقة وإثبات الأنا، ونظرته للمرأة أنها كائن نفعي مادي يجب الحذر منه وترقبه.
الرجل القوّام (النموذج الإسلامي): دافعه طاعة الله والقيام بالواجب، وهدفه رعاية الأسرة وإيصالها لبر الأمان، ويرى في المرأة شريكة حياة، ووصية النبي ﷺ: "رفقاً بالقوارير".
ثانياً: النسوية الراديكالية (صراع الندية وتفكيك المودة) على الجبهة المقابلة، يقف الوجه الآخر للعملة المشوهة: "النسوية الراديكالية". لقد نشأت النسوية (Feminism) في الغرب كحركة تاريخية لرفع الظلم عن المرأة، والمطالبة بأبسط الحقوق الإنسانية كالتعليم، والتملك، وحق التصويت السياسي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حيث كانت المرأة هناك تُحرم من أدنى حقوقها بمجرد الزواج. لكن الحركة ما لبثت أن انحرفت في موجاتها الحديثة، لتتحول من المطالبة بالعدالة الإنسانية إلى إشعال صراع وجودي وندي مع الرجل. وتكمن الصدمة الجوهرية بين النسوية الراديكالية وبين الفطرة والشريعة في "مرجعية الحاكمية"؛ فالنسوية الغربية الحديثة تجعل من الحرية الفردية المطلقة والمساواة الحسابية التطابقية حاكماً ينبع من الهوى والتطور الاجتماعي، وترفض أي وصاية أو ولاية للرجل، وترى في الأسرة التقليدية شكلاً من أشكال المنظومة الأبوية (Patriarchy) القمعية التي يجب تفكيكها والتمرد عليها. في المقابل، يقيم الإسلام الأسرة على مرجعية الوحي التي تؤمن بـ "تكامل الأدوار لا تماثلها"، مع المساواة التامة في القيمة الإنسانية والثواب والعقاب. فالإسلام يعتمد مبدأ "العدل" وتوزيع الأعباء بما يتناسب مع الفطرة والمسؤوليات؛ فجعل النفقة عبئاً مالياً خالصاً على الرجل، وجعل الولاية والقوامة نظاماً اجتماعياً يحمل الرجل مسؤولية الحماية والرعاية والإنفاق، لا التسلط والقهر. لقد أفسد هذا الفكر الراديكالي عقول بعض النساء بعد أن تغلغل عبر المنصات الرقمية؛ فتحولت العلاقة الزوجية في نظرهن من "سكن ومودة" إلى "عقد عمل وصراع قوى". غُذيت المرأة بمظلومية تاريخية تجعلها تفسر أي طلب للتفاهم أو رغبة في الاستقرار على أنه محاولة استعباد، ورُوّج لها أن قمة الإنجاز والتحرر تكمن في تضخيم الأنا والتمرد لمجرد التمرد، والاستغناء الكامل عن الرجل، لتكون النتيجة هدم البيوت لأسباب واهية تمليها خوارزميات الشاشات. ومن هنا يتضح لنا أنه ليس كل مطالبة بحق المرأة هي "نسوية"، طالما أنها لا تخرج عن السياق الديني ولا تخالف الهدي النبوي الشريف.
ثالثاً: طوق النجاة (الجهل لا يحمي البيوت) من خلال هذا التشريع المقارن، يتضح لنا أن غياب العقل عند التطرفين سببه الاحتكام للهوى؛ هوان يعميان البصيرة ويُسقطان العقل في منحدر التشكيك وسوء النوايا والمذاهب الملتوية التي تدعي علم الغيب. وإن تفكيك هذا الشرك الفكري يبدأ أولاً بالوعي بأن الجهل بمقاصد الدين الحقيقية وتشويه السنن النبوية لا يحميان البيوت، بل يدمراها. إن إعادة التوازن بين الجنسين، وتأصيل حقوق المرأة بما يوافق الكتاب والسنة، لن يجعلها تتمرد ولن يفكك الأسرة كما يظن المتوجسون الخائفون. بل على العكس تماماً؛ إن تنقية الخطاب الديني والاجتماعي من المبالغات الجافة والخطابات المتشددة التي تحمل التهديد والوعيد دائماً، هو الحصن الحقيقي للأسرة. لأن هذا التشدد، والذكورية المستوردة، والنداءات الجافة هي التي تبغّض الشريعة إلى النفوس، وتجعل العقول لقمة سائغة للنسوية المتطرفة. يرى هؤلاء المتشدقون في الخطاب اللين ضعفاً، ويظنون أن إبراز الهدي النبوي الشريف في خدمة النبي لأهل بيته وحسن معاملته لأزواجه ما هو إلا هدم للدين ومحاولات نسوية تتخفى خلف قناع الدين! لكن الحقيقة الصادمة أن الجهل لا يحمي البيوت بل يهدمها، والسيطرة والتسلط لا يحافظان على نظام الأسرة بل يسقطانها في أسفل سافلين . الحل الحقيقي والعملي يبدأ بـ "صيام رقمي" عن تلك المنابر والصفحات التي تتربح من إشعال الحروب الاجتماعية، وأن يدرك الطرفان أن صناع هذا المحتوى لن يتحملوا معهم كلفة الطلاق وتشتت الأبناء. يجب العودة بالبيوت إلى خصوصيتها وإغلاق أبوابها دون خوارزميات الشاشات، وأن تُحل المشكلات بناءً على أطباع الشريك الواقعي، لا بناءً على نصائح "مؤثر" (Influencer) خلف الشاشة لا يعرف عن حياتهما شيئاً. يجب إحياء المفهوم القرآني الأسمى للزواج: إنه شراكة تكاملية مبنية على المودة والرحمة، لا حلبة مصارعة افتراضية يبحث فيها كل طرف عن نصر واهم على أنقاض بيته وأطفاله. وأن القوامة مسؤولية ورعاية واحتواء (أمان مادي ونفسي)، والطاعة مبعثها الحب والاحترام المتبادل لا القهر الخوف.