الخَضِرُ فِي حَيَاتِي   بقلم الأديب المصري د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة

الخَضِرُ فِي حَيَاتِي بقلم الأديب المصري د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الخَضِرُ فِي حَيَاتِي  
تَأَمُّلَاتٌ فِي فَلْسَفَةِ الوَجَعِ المُدَبَّرِ
بقلم الأديب المصري
د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة

كَانَ القَدَرُ يُرْسِلُ إِلَيَّ مَنْ يُرْسِلُهُ... فِي هَيْئَةِ إِنْسَانٍ.  أَحْيَانًا صَدِيقًا يُرَبِّتُ عَلَى كَتِفِي، وَأَحْيَانًا خَصْمًا يَكْسِرُ ظَهْرِي، وَأَحْيَانًا حُبًّا يَخْتَرِقُنِي لِيُعِيدَ بِنَائِي.  
وَلَمْ أَفْهَمْ حِينَهَا أَنَّنِي لَسْتُ أُصَاحَبُ وَأُفَارِقُ... بَلْ أُسْتَوْدَعُ، ثُمَّ أُسَلَّمُ لِمَنْ بَعْدِي.  
كُلُّ وَاحِدٍ كَانَ مَحَطَّةً، وَكُلُّ مَحَطَّةٍ مَأْمُورَةٌ بِرِعَايَتِي حَتَّى يَحِينَ وَقْتُ الرَّحِيلِ. وَمَا عَلِمْتُ أَنَّهُم كَانُوا الخَضِرَ فِي رِوَايَتِي.

١. حِينَ يَأْتِي الوَجَعُ بِوَجْهِ الرَّحْمَةِ

مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَهَبَ إِلَى الخَضِرِ طَالِبًا العِلْمَ، فَوَجَدَ أَفْعَالًا تُشْبِهُ الظُّلْمَ.  خَرْقُ السَّفِينَةِ خِيَانَةٌ لِمَنْ يَسْتَحِقُّ السَّلَامَةَ.  قَتْلُ الغُلَامِ جَرِيمَةٌ لَا تُغْتَفَرُ.  بِنَاءُ الجِدَارِ عَمَلٌ لِأُنَاسٍ بَخِلُوا حَتَّى بِالمَاءِ.

وَهَكَذَا فَعَلَتْ بِي الحَيَاةُ.  أَرْسَلَتْ مَنْ يَكْسِرُ سَفِينَتِي وَأَنَا أَظُنُّهَا مَلَاذِي.  مَنْ يَقْتُلُ فِيَّ أَمَلًا رَبَّيْتُهُ بِدَمِي.  مَنْ يَبْنِي جِدَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ فَهْمِي، فَيَتْرُكُنِي حَائِرًا عَلَى الشَّاطِئِ.

وَالسِّرُّ وَاحِدٌ:  لَيْسَ كُلُّ مَا يُؤْلِمُكَ شَرًّا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُبْكِيكَ خَسَارَةً. 
فَبَعْضُ الخَرْقِ يَحْمِيكَ مِنَ الغَرَقِ، وَبَعْضُ المَوْتِ يُنْقِذُكَ مِنْ فَسَادٍ قَادِمٍ، وَبَعْضُ البِنَاءِ يُحْفَظُ لَكَ حَتَّى تَكْبَرَ وَتَفْهَمَ لِمَاذَا حُرِمْتَ مِنْهُ حِينَهَا.

٢. الخَضِرُ لَا يُصَاحِبُ... بَلْ يُعَلِّمُ وَيَمْضِي
مُشْكِلَةُ النَّفْسِ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِمَنْ أَرَاحَهَا.  تَرَى فِي الحُضُورِ وَطَنًا، وَفِي القُرْبِ مَقَامًا، فَتَنْسَى أَنَّ الخَضِرَ لَا يُقِيمُ.  دَوْرُهُ أَنْ يَفْتَحَ لَكَ بَابًا، ثُمَّ يَغِيبَ لِئَلَّا تَتَوَهَّمَ أَنَّ البَابَ هُوَ الغَايَةُ.

كَذَلِكَ كَانُوا هُمْ.  جَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرٍ مِنَ السَّكِينَةِ، بِقَدْرٍ مِنَ الفَهْمِ، بِقَدْرٍ مِنَ الوَجَعِ المُقَنَّعِ بِالحَنَانِ.  
وَلَمَّا انْتَهَى دَوْرُهُ، انْسَحَبَ.  فَإِنْ بَكَيْتَ عَلَى غِيَابِهِ، فَأَنْتَ تَبْكِي عَلَى الدَّوَاءِ بَعْدَ الشِّفَاءِ.

وَالنَّفْسُ العَاقِلَةُ هِيَ الَّتِي تَقُولُ:  
"شُكْرًا عَلَى مَا كَسَرْتَ فِيَّ، فَقَدْ كَانَ مَا كَسَرْتَهُ هُوَ الَّذِي كَانَ سَيَقْتُلُنِي."

٣. أَنْتَ لَسْتَ مَفْعُولًا بِهِ... أَنْتَ مُوسَى
هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَتَلَقَّى الحَيَاةَ كَضَحِيَّةٍ، وَبَيْنَ مَنْ يَتَلَقَّاهَا كَتِلْمِيذٍ.  
الضَّحِيَّةُ تَقُولُ: "لِمَاذَا أَنَا؟" وَالتِّلْمِيذُ يَقُولُ: "مَاذَا تُرِيدُ مِنِّي أَيَّتُهَا التَّجْرِبَةُ؟"

وَأَنْتَ كُنْتَ مُوسَى، لَا تَدْرِي أَنَّكَ فِي رِحْلَةِ تَعَلُّمٍ.  كُنْتَ تَرَى الأَفْعَالَ ظَاهِرًا، وَتَنْسَى أَنَّ وَرَاءَ كُلِّ فِعْلٍ حِكْمَةً لَمْ تُؤْتَهَا بَعْدُ.  وَالحِكْمَةُ لَا تُؤْتَى إِلَّا لِمَنْ صَبَرَ عَلَى أَنْ لَا يَفْهَمَ فِي وَقْتِهِ.

وَلِذَلِكَ كَانَ القَدَرُ يُرْسِلُ إِلَيْكَ الخَضِرَ بَعْدَ الخَضِرِ.  لِأَنَّكَ لَمْ تَتَعَلَّمْ بَعْدُ أَنَّ السَّفِينَةَ المَخْرُوقَةَ خَيْرٌ مِنْ سَفِينَةٍ يَسْلُبُهَا المَلِكُ الظَّالِمُ.  
وَلَمْ تُدْرِكْ بَعْدُ أَنَّ كَنْزَ اليَتِيمَيْنِ لَا يُحْفَظُ إِلَّا بِجِدَارٍ يُقَامُ بِلا أَجْرٍ.

٤. الخَاتِمَةُ... فَهْمٌ يَأْتِي مُتَأَخِّرًا

وَهَذِهِ هِيَ مَأْسَاةُ الإِنْسَانِ وَمَفْخَرَتُهُ مَعًا:  أَنَّهُ لَا يَفْهَمُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَفْقِدَ. يَفْقِدُ السَّفِينَةَ فَيَفْهَمُ لِمَاذَا خُرِقَتْ.  يَفْقِدُ المَعْنَى فَيَفْهَمُ لِمَاذَا كَانَ قَاسِيًا.  يَفْقِدُ نَفْسَهُ القَدِيمَةَ فَيَفْهَمُ لِمَاذَا كَانَ لَابُدَّ أَنْ تَمُوتَ.
وَحِينَ يَأْتِي الفَهْمُ، تَكُونُ الرِّحْلَةُ قَدْ انْتَهَتْ.  فَلَا تَجِدُ إِلَّا أَنْ تَقِفَ عَلَى الشَّاطِئِ وَتَقُولُ لِنَفْسِكَ:  
"لَوْ صَبَرْتَ... لَرَأَيْتَ العَجَبَ."

وَلَكِنَّكَ لَمْ تَصْبِرْ، لِأَنَّكَ إِنْسَانٌ.  وَلِأَنَّكَ إِنْسَانٌ، فَإِنَّ اللهَ يُرْسِلُ لَكَ خَضِرًا آخَرَ.  وَدَائِرَةُ التَّعَلُّمِ تَدُورُ، حَتَّى تَصِلَ إِلَى اليَقِينِ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ مَتْرُوكًا يَوْمًا.

فَإِذَا سَأَلُوكَ يَوْمًا: مَنْ كَانُوا هَؤُلَاءِ فِي حَيَاتِكَ؟  
فَقُلْ:  كَانُوا الخَضِرَ... وَكُنْتُ مُوسَى.  وَكَانَ الوَجَعُ هُوَ المُعَلِّمُ، وَكَانَ الصَّبْرُ هُوَ الِاخْتِبَارُ، وَكَانَ الفَهْمُ هُوَ الجَائِزَةُ الَّتِي تَأْتِي بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ... وَلَكِنَّهَا تَأْتِي._وَهَذَا يَكْفِي.
   

 

 

 

 

 

 

 

 

image about الخَضِرُ فِي حَيَاتِي   بقلم الأديب المصري د. طَارِق رِضْوَان جُمْعَة
التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
tarek radwan تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-