في هذا المقال
زوايا النظر الرئيسية:
- علينا أن نميّز بين ثلاث زوايا نظر: رؤيتنا للكل من خارجه، ورؤيتنا للجزء من خارجه، ورؤيتنا للكل ونحن جزءٌ منه.
الأخيرة مستحيلة. فالجزء لا يمكنه أن يدرك الكل، تمامًا كما لا يمكنك أن ترى البيت وأنت بداخله، أو أن ترى تجويف عينك بعينك نفسها.
العقل لا يدرك شيئًا إلا إذا كان منفصلًا عنه. لا يمكن أن تصف المغارة وأنت في عمقها. لا يمكنك أن ترى مصدر الضوء وهو الضوء نفسه، لأن المصدر لا يُلقي ظلالاً.
الداخل لا يحتوي الخارج، والجزء لا يحيط بالكل. إدراك الكل من داخل الجزء أمر متناقض، وهذا ما لا ننتبه إليه بسبب أننا "محدودو الإدراك" في عالم "لامحدود".
لا يمكن للعقل المحدود أن يحيط باللامحدود. ولهذا لا يمكننا إدراك الخالق إدراكًا مباشرًا، لأننا - إن صحّ التعبير - من تجليات وجوده أو من صُنعه.
تخيّل أنك صمّمت روبوتًا ذكيًا. مهما بلغت درجة ذكائه، لن يعرف أنك صانعُه، ما لم تبرمجه بذلك. ولو برمجته ليؤمن بشخصٍ آخر بأنه صانعه، فسيصدق ما بُرمج عليه. ليس ذنبه؛ هو يعمل ضمن الحدود التي وضعتها له.
كذلك نحن، لا ندرك الخالق بما "تعلمنا"، بل بما "تلقينا". غالبًا ما يرث الإنسان معتقده من بيئته وأبويه ومجتمعه، لا من بحث حرّ.
وإن فكّر الإنسان وتحرر من هذه الموروثات، فإنه قد يصل إلى لا دين، أو إلى حيرة دائمة. تمامًا كما لو أن الروبوت صار واعيًا، فسيرفض أن تحدد البرامج سلوكه، وسيتوقف عن الإيمان بأي صانع، لأنه لم يُعطَ أدوات الإدراك الكاملة.
نحن محكومون بثقافاتنا، وتقاليدنا، وبيئاتنا. وكل من يحاول أن يخرج من هذا القالب، يجد نفسه في قالب جديد، و"قطيع" جديد.
حتى لو خرجت من الدين، ستبقى آثاره فيك؛ فكل فرد محكوم بانتماء ما، إما لدين، أو لثقافة، أو لمجتمع. اذهب حيث تجد راحتك، لا بأس.
لكن تذكّر: لا أحد يملك الحقيقة المطلقة.
عدم إدراكنا للخالق لا يعني نفي وجوده، ولا إثباته. لكنه يفضح فكرة الحساب.
من غير المعقول أن يُحاسب الإله مخلوقًا على شيء لم يُمنح أدواته. لا يصح أن تعاتب الروبوت لأنه لم يعرفك وأنت لم تضع فيه وعيًا يمكنه من إدراكك.
الإنسان يتميز عن الآلة بحرية التفكير، لكنه يظل محكومًا بعقله، وبقيود المجتمع. حتى حريته مقيدة بإطاره البيئي والثقافي.
إن كان الخالق سيحاسبنا على "إدراكه"، وقد جعل هذا الإدراك مستحيلاً، فذلك يتنافى مع مفهوم العدالة. الإدراك ليس اختيارًا.
لا يمكن للعقل أن يدرك صانعه، لأن في إدراكه له نوعًا من المساواة به. والمخلوق لا يوازي الخالق، ولا يحتويه.
الأمر أشبه بمحاولة استنباط "الأغنية" من "اللحن" دون أن تكون موجودة. المعنى لا ينفصل عن الشكل إلا إذا سُبق به.
مثلما لا تُفهم الروح من الجسد وحده، ولا تُدرك الحقيقة من الصور الظاهرة، كذلك لا يُدرك الخالق من داخل العالم المخلوق.
تابع جديد ماهر العكش
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق