في هذا المقال

لماذا ننسى المعلومات بسرعة؟ أسرار الذاكرة وطرق علمية تساعدك على الحفظ والتذكر
هل حدث معك أن قرأت درسًا أكثر من مرة، وشعرت أنك فهمته جيدًا، ثم اكتشفت بعد ساعات أنك نسيت جزءًا كبيرًا منه؟ وهل سبق أن قابلت شخصًا تعرفه، لكنك لم تستطع تذكر اسمه في تلك اللحظة؟ هذه المواقف تحدث لكثير من الناس، وقد تجعلنا نظن أن ذاكرتنا ضعيفة، بينما توجد أسباب متعددة يمكن أن تفسر النسيان.
في هذا المقال، سنتعرف على كيفية عمل الذاكرة، ولماذا يصعب أحيانًا الاحتفاظ بالمعلومات، وما الطرق التي تدعمها الأبحاث العلمية لتحسين التعلم والتذكر.
أولًا: كيف تعمل الذاكرة البشرية؟
الذاكرة ليست مخزنًا واحدًا يحتفظ بكل ما نراه أو نسمعه، بل هي مجموعة من العمليات التي تساعدنا على استقبال المعلومات ومعالجتها والاحتفاظ بها ثم استرجاعها عند الحاجة.
يمكن تبسيط هذه العمليات في ثلاث مراحل أساسية:
1. الترميز: تبدأ عندما ننتبه إلى معلومة جديدة ونفهمها أو نربطها بما نعرفه بالفعل. فإذا كنت تتعلم مفهومًا علميًا وأنت مشتت، فقد لا تعالج المعلومة بعمق كافٍ لتتذكرها لاحقًا.
2. التخزين: يتعلق بالاحتفاظ بالمعلومات بمرور الوقت. وتؤدي الروابط بين المعلومات والمعرفة السابقة دورًا مهمًا في التعلم، كما يمكن أن يساعد تكرار المراجعة على دعم الاحتفاظ بها.
3. الاسترجاع: هو القدرة على استحضار المعلومة عند الحاجة، مثل تذكر إجابة سؤال في الامتحان أو شرح فكرة قرأتها بالأمس. وقد تكون المعلومة مألوفة لك، لكنك تجد صعوبة في استرجاعها في لحظة معينة.
هذه المراحل مترابطة، ولذلك لا يعني عدم تذكر معلومة فورًا بالضرورة أنها اختفت تمامًا من الذاكرة.
ثانيًا: لماذا ننسى المعلومات بسرعة؟
1. عدم التركيز أثناء التعلم
عندما تقرأ درسًا وأنت تتابع الهاتف أو تفكر في أمور أخرى، قد تنتقل عيناك بين الكلمات دون أن تعالج معناها بعمق. ونتيجة لذلك، تصبح المعلومة أصعب في الاسترجاع لاحقًا.
مثال عملي: إذا قرأت صفحة كاملة وأنت ترد على الرسائل في الوقت نفسه، فقد تجد صعوبة في تلخيص ما قرأته. جرّب إبعاد الهاتف لمدة عشرين دقيقة والتركيز على جزء صغير من الدرس، ثم اشرح ما فهمته بكلماتك.
2. الاعتماد على إعادة القراءة فقط
إعادة قراءة الدرس قد تجعلك تشعر أنك تعرف المعلومات، لأنك تراها أمامك مرة أخرى. لكن التعرف على المعلومة عند رؤيتها ليس هو نفسه القدرة على تذكرها دون مساعدة.
وتشير مراجعات بحثية في علم النفس المعرفي إلى أن الاختبار الذاتي والممارسة الموزعة على فترات من أكثر أساليب التعلم فائدة في كثير من الظروف.
مثال: بعد قراءة فقرة عن الجهاز الهضمي، أغلق الكتاب واسأل نفسك: ما وظيفة المعدة؟ ثم افتح الكتاب وتحقق من إجابتك وصحح الأخطاء.
3. محاولة حفظ كمية كبيرة في وقت قصير
قد يضطر الطالب أحيانًا إلى مذاكرة عدة دروس في ليلة واحدة. وقد تساعده هذه الطريقة على تذكر بعض المعلومات لفترة قصيرة، لكنها لا تمنح كل جزء من المادة فرصًا كافية للمراجعة والاسترجاع.
الأفضل توزيع التعلم على جلسات متعددة، مع العودة إلى المعلومات بعد فواصل زمنية، بدلًا من الاعتماد على جلسة طويلة واحدة.
4. قلة النوم والإرهاق
النوم مهم للانتباه والتعلم والذاكرة. وعندما لا يحصل الإنسان على قسط كافٍ من النوم، قد يجد صعوبة في التركيز وفهم المعلومات وتذكرها.
لذلك، لا يُنصح باستبدال النوم بالسهر المتكرر من أجل المذاكرة؛ فتنظيم وقت الدراسة والراحة يساعد على جعل التعلم أكثر كفاءة.
5. التوتر والانشغال الذهني
عندما يكون الشخص قلقًا بشأن مشكلة أو امتحان، قد يصبح من الصعب عليه توجيه انتباهه إلى المعلومات الجديدة أو استرجاع ما تعلمه بسهولة. وقد يكون النسيان في بعض المواقف مرتبطًا بالضغط النفسي أو قلة النوم، وليس بضعف القدرة العقلية.
إذا كان التوتر مستمرًا ويؤثر في الحياة اليومية، فقد يكون من المفيد طلب المساعدة المناسبة بدلًا من الاكتفاء بمحاولة الحفظ لساعات أطول.
ثالثًا: خمس طرق علمية تساعدك على الحفظ والتذكر
الطريقة الأولى: الاسترجاع النشط
بدلًا من الاكتفاء بقراءة المعلومة مرارًا، حاول استرجاعها من ذاكرتك دون النظر إلى الكتاب، ثم تحقق من الإجابة.
طريقة التطبيق:
اقرأ جزءًا صغيرًا من الدرس.
أغلق الكتاب واكتب أهم ثلاث أفكار تتذكرها.
افتح الكتاب وقارن إجابتك بالمعلومات الأصلية.
راجع النقاط التي أخطأت فيها.
تساعد هذه الطريقة على تدريبك على استحضار المعلومات عند الحاجة، بدلًا من الاكتفاء بالشعور بأنها مألوفة.
الطريقة الثانية: المراجعة المتباعدة
تعني توزيع المراجعة على أوقات مختلفة بدلًا من حشرها في جلسة واحدة.
يمكنك تجربة الجدول التالي:
اليوم الأول: تعلم المعلومة وفهمها.
اليوم التالي: حاول استرجاعها دون النظر إلى المصدر.
بعد ثلاثة أيام: اختبر نفسك مرة أخرى.
بعد أسبوع: راجع ما تتذكره وصحح الأخطاء.
بعد أسبوعين: اختبر نفسك مجددًا إذا كان الموضوع يحتاج إلى الاحتفاظ به مدة أطول.
هذا جدول تجريبي للتنظيم، وليس قاعدة زمنية ثابتة تناسب كل مادة أو شخص. عدّل الفواصل وفقًا لصعوبة المعلومات ومدى قدرتك على استرجاعها.
الطريقة الثالثة: شرح المعلومة بأسلوبك
بعد فهم الفكرة، حاول شرحها كأنك تشرحها لشخص يتعلمها لأول مرة. إذا عجزت عن توضيح جزء منها، فارجع إلى المصدر وافهمه من جديد.
مثال: بدلًا من حفظ تعريف التبخر حرفيًا، اشرح أن التبخر هو تحول السائل إلى غاز من سطحه، ثم أعط مثالًا مثل جفاف الماء من الملابس عند تعرضها للهواء.
هذه الطريقة تكشف الأجزاء التي لم تفهمها جيدًا، وتساعدك على ربط المعلومات بأمثلة واضحة.
الطريقة الرابعة: تقسيم المعلومات إلى أجزاء صغيرة
قد تبدو قائمة طويلة من المعلومات صعبة التذكر. لذلك، قسّمها إلى مجموعات مترابطة، وابدأ بكل مجموعة على حدة.
مثلًا، إذا كنت تتعلم عشرين مصطلحًا جديدًا، يمكنك تقسيمها إلى أربع مجموعات، تضم كل مجموعة خمسة مصطلحات، ثم مراجعة كل مجموعة واختبار نفسك فيها.
الطريقة الخامسة: الاهتمام بالنوم والراحة
خصص وقتًا مناسبًا للنوم، وخذ فواصل قصيرة عندما تشعر بالإرهاق، وحاول الدراسة في مكان يقل فيه التشتيت. كما أن النشاط البدني المنتظم والعادات الصحية الجيدة يدعمان صحة الجسم والدماغ عمومًا.
ولا توجد طريقة واحدة تضمن ذاكرة مثالية، لكن الجمع بين أساليب التعلم الفعالة والراحة والتنظيم قد يساعد على تحسين قدرتك على التذكر.
رابعًا: تجربة عملية يمكنك تطبيقها اليوم
لنفترض أنك تريد حفظ عشر كلمات إنجليزية جديدة.
اقرأ الكلمات ومعنى كل كلمة، وحاول فهمها في جملة.
غطِّ المعاني واختبر نفسك في تذكرها.
اكتب الكلمات التي أخطأت فيها وراجعها.
اختبر نفسك مرة أخرى في اليوم التالي.
كرر المراجعة بعد عدة أيام، مع التركيز على الكلمات التي ما زلت تنساها.
سجّل عدد الكلمات التي استطعت تذكرها في كل مرة. هذه تجربة شخصية بسيطة تساعدك على ملاحظة أثر المراجعة، لكنها ليست تجربة علمية محكمة ولا تثبت وحدها فعالية طريقة لجميع الناس.
خامسًا: متى يستدعي النسيان الانتباه؟
نسيان بعض التفاصيل من وقت لآخر أمر شائع، ولا يعني وحده وجود مرض. لكن إذا كان النسيان جديدًا أو يزداد بوضوح أو بدأ يؤثر في الأنشطة اليومية، فمن المهم استشارة الطبيب لتقييم السبب.
قد ترتبط مشكلات الذاكرة بعوامل متعددة، منها اضطرابات النوم، وبعض الأدوية، ونقص بعض العناصر الغذائية، ومشكلات صحية أخرى. ولا يمكن تحديد السبب من النسيان وحده.
ومن العلامات التي تستحق التقييم تكرار السؤال نفسه بصورة ملحوظة، أو الضياع في أماكن مألوفة، أو صعوبة أداء مهام يومية كان الشخص يؤديها بسهولة من قبل.
الخلاصة
النسيان جزء من التجربة الإنسانية، وقد يحدث بسبب ضعف الانتباه أو قلة النوم أو التوتر أو عدم مراجعة المعلومات بطريقة مناسبة. ويمكنك دعم قدرتك على التعلم باستخدام الاسترجاع النشط، والمراجعة المتباعدة، وشرح المعلومات بأسلوبك، وتقسيم المواد الكبيرة إلى أجزاء صغيرة.
ابدأ اليوم بمعلومة واحدة، واختبر نفسك فيها بدلًا من الاكتفاء بقراءتها عدة مرات. فالتعلم لا يعتمد على عدد مرات رؤية المعلومة فقط، بل أيضًا على قدرتك على فهمها واسترجاعها واستخدامها.
المصادر العلمية
المعهد الوطني الأمريكي للشيخوخة: معلومات عن النسيان والذاكرة والعوامل التي قد تؤثر فيها.
https://www.nia.nih.gov/health/memory-loss-and-forgetfulness/memory-forgetfulness-and-aging-whats-normal-and-whats-not
Dunlosky وآخرون، بحث مراجعة علمية عن أساليب التعلم الفعالة، منشور في مجلة Psychological Science in the Public Interest عام 2013.
https://doi.org/10.1177/1529100612453266
McDermott، مراجعة علمية عن دور ممارسة استرجاع المعلومات في التعلم، منشورة في Annual Review of Psychology عام 2021.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/33006925/
تابع جديد زينب سامح
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق