في هذا المقال
حين يطلب الأبناء الاهتمام بصمت
كان هناك شاب في الخامسة والعشرين من عمره، يعيش مع أسرته، لكنه كان يشعر في داخله بأنه وحيد رغم وجودهم حوله. كان يتمنى أن يقترب منه أهله، أن يسألوه عن يومه، عن مشاعره، وعن الأشياء التي تؤلمه، لكنه لم يجد الطريقة المناسبة للتعبير عما بداخله.
في البداية، حاول أن يلفت انتباههم بطرق بسيطة، لكنه لم يجد استجابة. ومع مرور الوقت، بدأ إحباطه يزداد، وتحولت محاولاته إلى تصرفات لم تكن تشبه أخلاقه ولا شخصيته. بدأ يرفع صوته، ويتصرف بعصبية، ثم وصل الأمر إلى كسر بعض الأشياء في المنزل.
بدلًا من أن يسأله أهله: "ما الذي يؤلمك؟"، فسّروا تصرفاته بأنه شخص غير طبيعي أو مجنون. وهنا كانت المشكلة الأكبر؛ فقد رأوا التصرف، لكنهم لم يحاولوا فهم السبب الذي يقف خلفه.
كان الشاب في الحقيقة يريد أن يشعر بأنه موجود، وأن له مكانًا مهمًا داخل أسرته. كان يبحث عن الاحتواء، لا عن المشاكل. وكان يحتاج إلى شخص يستمع إليه دون أن يحكم عليه.
ومع استمرار التجاهل، بدأ الشاب يبتعد أكثر عن أسرته وعن حياته، حتى وصلت حالته إلى أفكار مؤذية لنفسه. مرت الأيام، ثم الشهور، وبقيت الأسرة تنظر إليه من خلال تصرفاته فقط، بدلًا من محاولة فهم ما يحدث بداخله.
وهنا يجب أن نتوقف ونسأل أنفسنا: هل كل تصرف مزعج من أبنائنا يعني أنهم سيئون؟ أم أن بعض التصرفات قد تكون رسالة لا نعرف كيف نقرأها؟
ليس معنى ذلك أن نبرر الخطأ أو نسمح بالسلوك المؤذي، بل أن نحاول فهم أسبابه والتعامل معه بطريقة صحيحة. فالحوار الهادئ، والاستماع، والاهتمام، والشعور بالأمان داخل الأسرة، أمور يحتاج إليها الأبناء في مختلف أعمارهم.
أيها الآباء والأمهات، لا تنتظروا أن يصرخ أبناؤكم حتى تسمعوهم، ولا تنتظروا أن ينهاروا حتى تسألوهم عما يؤلمهم. اقتربوا منهم قبل أن يضطروا إلى البحث عن الاهتمام بطرق خاطئة.
اسألوا أبناءكم عن أحوالهم، استمعوا إليهم دون سخرية أو أحكام مسبقة، ولا تستخدموا كلمات مثل "مجنون" أو "غير طبيعي" لوصفهم عندما يمرون بمرحلة صعبة.
قد يكون ابنكم لا يريد سوى أن يشعر بأنه محبوب، ومسموع، ومقبول داخل بيته.
وأحيانًا، كلمة بسيطة مثل: "أنا موجود عشان أسمعك" قد تكون بداية لإنقاذ إنسان من شعور طويل بالوحدة.
وفي النهاية، لم يكن الشاب يبحث عن المستحيل، كان يريد فقط أن يشعر أن أهله يرونه ويسمعونه ويهتمون به. لذلك، لا تنتظروا من أبنائكم أن يطلبوا الحب بصوت مرتفع؛ فبعضهم قد يطلبه بصمته، وبعضهم بتصرفاته، فافهموا الرسالة قبل أن يضيع صاحبها

لذلك أقول لكم: اقرأوا هذا المقال بوعي وثقافة، ولا تستهينوا بهذه الفكرة، فهي ما زالت موجودة حتى يومنا هذا، وقد يعيشها كثير من الأبناء في صمت دون أن يشعر بهم أحد.
انتبهوا لأبنائكم، واستمعوا إليهم، وحاولوا فهم ما وراء تصرفاتهم، فربما يكون ما ترونه مجرد سلوك مزعج، بينما يخفي وراءه قلبًا يطلب الاهتمام والاحتواء.
وشكرًا لكم.
الكاتب: أحمد هيكل
تابع جديد AHMED HAIKEL
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق