ما تخفيه الصورة: فريد الزاهي وسؤال الآخر

ما تخفيه الصورة: فريد الزاهي وسؤال الآخر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

الصورة والآخر عند فريد الزاهي: الجسد واللغة والاختلاف في الثقافة العربية

 

من أكثر أفكار فريد الزاهي إثارة في كتاب «الصورة والآخر: رهانات الجسد واللغة والاختلاف». أنت تنظر إلى الغريب، لكن الغريب ينظر إليك أيضًا. تظن أنك تكتشف ملامحه، بينما تكشف نظرتك عن ثقافتك ومخاوفك ورغباتك وما ترسّخ في ذهنك من صور عن البشر.

 

image about ما تخفيه الصورة: فريد الزاهي وسؤال الآخر
 

1. الجسد أول لغة بين الإنسان والغريب

قبل اللغة المنطوقة توجد لغة أخرى أكثر سرعة وأشد تأثيرًا: الجسد. الوجه، النظرة، المسافة، الحركة، الثياب، طريقة الجلوس والوقوف؛ كلها علامات تدخل في صناعة الانطباع الأول. ولهذا لا يظهر الجسد في كتاب الزاهي باعتباره مادة بيولوجية فحسب، بل بوصفه نصًا مفتوحًا تكتبه الثقافة فوق الإنسان.

 

قد يحمل الجسد معاني متناقضة من مجتمع إلى آخر. ما يبدو عاديًا في مكان قد يصبح غريبا في مكان آخر، وما يرتبط بالاحترام لدى جماعة قد يرتبط بالرفض لدى جماعة ثانية. لا تكمن المفارقة في اختلاف الأجساد، بل في قدرة الثقافة على تحويل هذا الاختلاف إلى تصنيف، ثم تحويل التصنيف إلى حكم.

image about ما تخفيه الصورة: فريد الزاهي وسؤال الآخر
 

وهذه النقطة تمنح فكرة الزاهي قوة خاصة: لا توجد صورة للآخر من دون صورة للذات. كل مجتمع يصف الغريب، لكنه يصف نفسه أيضًا بطريقة غير مباشرة؛ لأن تعريف المختلف يكشف الحدود التي رسمها لنفسه.

2. الذكر والأنثى: اختلاف الجسد أم سلطة التأويل؟

تتخذ المسألة عمقًا أكبر مع قضية الذكورة والأنوثة. فالاختلاف بين جسد الرجل وجسد المرأة حقيقة إنسانية، لكن المعاني التي تراكمت فوق هذا الاختلاف ليست حقائق طبيعية بالضرورة. المجتمع يضيف إلى الجسد أدوارًا، ويمنحه صفات، ويرسم له حدود الحركة والكلام والرغبة، ثم قد يتعامل مع تلك الحدود باعتبارها أمرًا بديهيًا لا يحتاج إلى سؤال.

image about ما تخفيه الصورة: فريد الزاهي وسؤال الآخر
 

لهذا يتوقف الكتاب عند مؤسسة الزواج، وما ارتبط بها من تنظيم للعلاقة بين الرجل والمرأة، مع حضور قوي للمنظومة الفقهية والقيم الدينية في تشكيل التصورات العربية عن هذه العلاقة. لا يكتفي الزاهي بالنظر إلى الجسد منفصلًا عن المجتمع؛ بل يتتبع القوى الثقافية والفكرية التي منحت الجسد مكانته ودلالته.
 

وتكتسب الإشارة إلى ابن عربي أهمية خاصة في هذا السياق. فتصوره للجسد الآدمي الأصلي وانفصاله إلى الذكورة والأنوثة يفتح أفقًا مختلفًا للنظر إلى النوع. الاختلاف لا يعني أصلًا تفاضلًا جوهريًا، والمفاضلة بين الذكر والأنثى ليست حقيقة ملازمة لوجودهما. هنا تتحول المسألة من سؤال: «من أفضل؟» إلى سؤال أكثر نضجًا: كيف تحوّل الاختلاف إلى تفاضل؟

3. الحب يكتب ألمه على الجسد

يأخذ الجسد في الكتاب صورة أخرى أكثر قسوة مع العشق. فالتراث العربي لم يحتفظ بالحب باعتباره إحساسًا داخليًا فقط؛ لقد حفظه في جسد العاشق أيضًا. النحول، السهر، المرض، الشرود، الهذيان، الانهيار، الجنون، وأحيانًا الموت؛ كلها صور تجعل الجسد سجلًا للحب بدل أن يكون مجرد وعاء له.
 

العشق في هذه الحكايات لا يبقى شعورًا رومانسيًا جميلًا. إنه قوة قادرة على زعزعة توازن الإنسان، لأن الرغبة في الآخر تصطدم بالفراق والمنع والبعد والقيود الاجتماعية. يصبح الجسد الطرف الأكثر صدقًا في هذه المعركة؛ فالعاشق يستطيع أن يخفي كلامه، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يخفي آثار الألم.
 

تستحق هذه الفكرة قراءة نفسية أيضًا. فالإنسان لا يعيش مشاعره داخل العقل وحده. الحزن والخوف والتوتر والفقد يمكن أن تنعكس على النوم والطاقة والشهية والتركيز والإحساس بالجسد. وما فعله الأدب العربي القديم أنه منح هذه العلاقة لغة شعرية وحكايات إنسانية، فبدا الحب كأنه مرض لا يملك العاشق منه خلاصًا.
 

ولذلك فإن حديث الزاهي عن العشق ليس هامشًا رومانسيًا في الكتاب؛ إنه يكشف حقيقة أعمق: الإنسان يتأثر بالآخر إلى درجة أن الآخر يستطيع أن يغيّر صورة الإنسان عن جسده نفسه.

4. الصورة لا تنقل الآخر؛ قد تصنعه

أخطر ما في الصورة أنها تمنح العين ثقة أكبر من قدرتها الحقيقية على المعرفة. نرى وجهًا فنعتقد أننا فهمنا صاحبه. نرى لباسًا فنضع صاحبه داخل ثقافة محددة. نلتقي بغريب فنستدعي فورًا كل ما قرأناه أو سمعناه عن جماعته. هكذا تتحول الصورة من وسيلة للرؤية إلى أداة لصناعة الأحكام.
 

وهنا تتشابك الصورة مع اللغة. فاللغة لا تكتفي بوصف الأشياء؛ تستطيع أن تمنحها موقعًا داخل منظومة من القيم. كلمة واحدة قد تجعل شخصًا قريبًا أو غريبًا، مألوفًا أو مخيفًا، متحضرًا أو متخلفًا. تكرار الوصف نفسه عبر الكتب والرحلات والخطاب الشعبي قد يصنع صورة مستقرة، حتى لو لم تكن التجربة الفردية تؤيدها.
 

هذه إحدى أهم رهانات الكتاب: الآخر ليس الصورة التي صنعتها عنه. وراء الجسد المرئي تاريخ وتجربة وذاكرة ورغبات لا تستطيع العين وحدها الوصول إليها. وكلما أسرعنا في تحويل المظهر إلى حقيقة كاملة، أصبحنا أسرى لصورتنا نحن.
 

لا يعني ذلك أن نكف عن النظر، بل أن نمنح النظر قدرًا من الشك. أن نقول لأنفسنا: ما أراه حقيقي، لكن تفسيري له ليس الحقيقة كلها. هذه المسافة الصغيرة بين الرؤية والتفسير قد تكون واحدة من أهم شروط احترام الإنسان.

5. الآخر مرآة تكشف صورتنا نحن

تصل فكرة الكتاب إلى أعمق مستوياتها عندما يصبح الآخر مرآة للذات. لا نكتشف هويتنا في الفراغ؛ نحتاج إلى الاختلاف كي نرى حدود ما نعدّه طبيعيًا. وجود الآخر المختلف يجعلنا نعيد النظر في عاداتنا ولغتنا وتصنيفاتنا وصورتنا عن الجسد والرجل والمرأة والحب والغرباء.
 

لهذا لا تنحصر قيمة «الصورة والآخر» في دراسة الجسد داخل الثقافة العربية. الكتاب يفتح سؤالًا أوسع عن الطريقة التي يعيش بها الإنسان مع المختلف. المسافر يحمل صورته عن المكان، والمكان يصنع صورة عن المسافر. الرجل يحمل تصورًا عن المرأة، والمرأة تواجه تصورًا صنعه المجتمع عنها. العاشق يرى محبوبته، لكنه يرى معها الصورة التي صنعها الحب في داخله.

 

يمكن للقارئ أن يختبر هذه الفكرة في تفاصيل حياته اليومية. اسأل نفسك عن حكمك الأول على شخص لم تعرفه. ما مصدره؟ تجربة شخصية، أم صورة قديمة استقرت في الذاكرة؟ تأمل نظرتك إلى اختلاف اللباس أو الملامح أو طريقة الكلام. ستجد أحيانًا أن الحكم أسرع من المعرفة، وأن الصورة سبقت الإنسان بمسافة طويلة.
 

قوة الكتاب تكمن في هذا الإزعاج الجميل: إنه لا يسمح للقارئ بأن يقف خارج الموضوع ويتفرج على «الآخر». يدخله إلى قلب المسألة، ويجعله طرفًا فيها. فأنت لا تقرأ عن العين التي تنظر فقط؛ أنت تكتشف عينك أنت.
 

الجسد، وفق هذه القراءة، ليس مجرد شكل نراه، ولا حدودًا مادية تفصل إنسانًا عن إنسان. إنه ذاكرة وثقافة ورغبة وسلطة ولغة. ومن خلاله تبدأ أسئلة كثيرة عن الهوية والاختلاف والحب والاغتراب. وقد يكون أكثر ما يلفت في رؤية الزاهي أن الجسد لا يكشف صاحبه وحده؛ إنه يكشف المجتمع الذي ينظر إليه أيضًا.

لهذا يبقى السؤال مفتوحًا بعد إغلاق الكتاب: ماذا نعرف عن الآخر، وماذا نعرف عن أنفسنا من الطريقة التي ننظر بها إليه؟

ربما لا تكون المشكلة في اختلاف البشر، فالاختلاف قائم في أصل التجربة الإنسانية. المشكلة تبدأ عندما نختصر الإنسان في صورته، ثم نعامل الصورة باعتبارها الحقيقة. عندها تتحول المرآة إلى جدار. أما النظر الناضج، فيترك للإنسان مساحة لاختلافه وغموضه وحريته؛ لأن أحدًا لا يمكن اختزاله في جسد، ولا في صورة، ولا في كلمة.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Alkatp تقييم 5 من 5.
المقالات

26

متابعهم

15

متابعهم

33

مقالات مشابة
-