لو تفتكر كل حاجة... هتندم؟ سر النسيان في مخك

لو تفتكر كل حاجة... هتندم؟ سر النسيان في مخك

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 لماذا ننسى؟ وهل يصير أن نتذكر كل حاجة في حياتنا؟

 

تخيل إنك قادر تتذكر كل تفصيلة صغيرة حصلت لك من يوم ما اتولدت: طعم أول أكلة اتغديتها، لون حيطة أوضتك وانت عمرك سنتين، وحتى حالة الجو بالظبط يوم عيد ميلادك العاشر. يبدو الأمر حلم مستحيل، لكنه في الحقيقة واقع يعيشه عدد قليل جدًا من البشر حول العالم. فهل النسيان عيب في تصميم المخ، أم أنه في الحقيقة ميزة ذكية ساعدت الإنسان يعيش ويفكر بشكل أفضل 

إيه اللي بيحصل في مخك وانت بتنسى؟

 

في أواخر القرن التاسع عشر، أجرى عالم النفس الألماني هيرمان إبنجهاوس أول دراسة علمية جادة عن النسيان، وتوصل لمنحنى بقى معروف باسم "منحنى النسيان". لاحظ إن المعلومة الجديدة، من غير مراجعة، بنفقد أغلبها بسرعة كبيرة: حوالي 56% في أول ساعة، و66% بعد يوم واحد، وتصل النسبة لحوالي 75% بعد أسبوع.

على المستوى البيولوجي، يحدث هذا من خلال عملية تُعرف بـ"التقليم العصبي"، حيث تقوم خلايا مناعية دقيقة في المخ تُسمى الميكروجليا بمسح الوصلات العصبية الضعيفة أو غير المستخدمة. فالذاكرة إذن ليست كشريط فيديو مسجل، بل شبكة حية من الوصلات العصبية، وإذا لم تُفعَّل وصلة معينة لفترة طويلة، يقوم المخ ببساطة بإزالتها لتوفير الطاقة.

طب ليه المخ بيعمل كده أصلًا؟

 

هنا يأتي الجزء المفاجئ: اقترح باحثون من جامعة تورنتو، على رأسهم بليك ريتشاردز وبول فرانكلاند، في دراسة نُشرت بمجلة Neuron عام 2017، أن النسيان ليس عطلًا، بل استراتيجية تطورية ذكية. فهدف الذاكرة، وفق هذه النظرية، ليس تخزين كل شيء بدقة متناهية، بل مساعدتنا على اتخاذ قرارات جيدة في عالم متغير باستمرار. المخ إذن يتعمد محو التفاصيل غير الضرورية، ليُفسح المجال للمعلومات الأكثر أهمية لبقائنا واستمرارنا.

 ماذا لو قدرنا نتذكر كل حاجة؟

 

في حالة نادرة جدًا تُعرف بـ"فرط الذاكرة الذاتية" (Hyperthymesia)، يستطيع أصحابها استرجاع تفاصيل كل يوم عاشوه تقريبًا منذ مرحلة معينة من طفولتهم، حتى إنهم يذكرون يوم الأسبوع وحالة الجو وما تناولوه من طعام في أي تاريخ يُطرح عليهم. هذه الحالة، التي وثّقها لأول مرة عام 2006 باحثون من جامعة كاليفورنيا في إيرفاين، توضح أن تذكر كل شيء ليس نعمة خالصة؛ إذ يصف كثير من المصابين بها شعورًا بالغرق في ذكريات مؤلمة لا يستطيعون الفرار منها، لأن نسيان التفاصيل الصغيرة يساعد الإنسان العادي على المضي قدمًا من دون أن يتقيد بكل لحظة حزينة مر بها.

image about لو تفتكر كل حاجة... هتندم؟ سر النسيان في مخك

هل يمكن أن نتحكم فيما ننساه؟

 

لا نستطيع إلغاء النسيان، لكن يمكننا التأثير فيه. فالنوم مثلًا يلعب دورًا أساسيًا في تثبيت الذكريات المهمة، وهو ما يفسر علميًا لماذا تكون المذاكرة قبل النوم أكثر فاعلية من السهر الطويل. كذلك يساعد أسلوب "التكرار المتباعد"، أي مراجعة المعلومة على فترات متباعدة بدل حفظها دفعة واحدة، على تقوية الوصلات العصبية وتقليل معدل النسيان بشكل ملحوظ، وهو أسلوب يعتمده كثير من الطلاب والمتخصصين في تعلم اللغات.

خاتمة: 

في النهاية، النسيان ليس دليل ضعف، بل أداة ذكية صممها التطور ليبقي عقلنا خفيفًا وقادرًا على التركيز على ما يهم فعلًا. والمفارقة أن كثيرًا ممن يتمنون ذاكرة مثالية قد لا يدركون أن جزءًا كبيرًا من راحتهم النفسية جاء أصلًا من قدرتهم على النسيان. فبدل ما نحارب طبيعة عقلنا، ربما الأجدى أن نتصالح معها، ونستخدم النسيان لصالحنا بدلًا من اعتباره خصمًا يجب التغلب عليه.

تنويه: هذا المقال إخباري وتثقيفي يلخص اتجاهات بحثية عامة في علم الأعصاب وعلم النفس، وليس تشخيصًا لحالة أي شخص. أي قلق يخص الذاكرة أو التركيز يستحسن مناقشته مع مختص.

مصادر للاطلاع:

- Ebbinghaus, H. — دراسات منحنى النسيان الكلاسيكية (أواخر القرن التاسع عشر)

- Richards, B. & Frankland, P. — "The Persistence and Transience of Memory", Neuron, 2017

- Parker, E. S., Cahill, L., & McGaugh, J. L. — "A Case of Unusual Autobiographical Remembering", Neurocase, 2006

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-