بين الطب والدين... لله في خلقه شؤون
دائمًا ما نسمع جملة:

«الله يرزق النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء» 🌱
وقد تمر علينا هذه العبارة مرور الكرام، حتى نتوقف قليلًا أمامها ونتأمل معناها من زاوية أخرى.
عندما بدأت دراسة علم الأمراض المعدية (Infectious Diseases)، وجدت أن بعض التفاصيل العلمية التي ندرسها كل يوم تفتح أمام الإنسان بابًا واسعًا للتدبر في خلق الله وحكمته.
وسؤال بسيط جدًا قد يقودنا إلى معنى عظيم:
هذه الكائنات الدقيقة التي لا نراها بالعين المجردة، سواء كانت فيروسات أو بكتيريا أو غيرها… من خلقها؟
الله سبحانه وتعالى.
تأمل فقط أن كائنًا مجهريًا لا تكاد تراه بعينك، قد خلق الله له خصائص تمكنه من البقاء والتكاثر، وقد يمتلك القدرة على الوصول إلى أنسجة معينة (Target tissues)، والتفاعل مع مستقبلات (Receptors) موجودة على خلايا محددة.
وهنا قد يتوقف الإنسان أمام دقة هذا الخلق وعظمته.
لكن هل خلق الله هذه الكائنات وترَكها تفعل ما تشاء دون وجود ما يواجهها؟
بالتأكيد لا.
ففي المقابل، خلق الله في الكائن الحي جهازًا مناعيًا معقدًا يعمل على التعرف على مسببات الأمراض ومقاومتها، كما أن بعض الميكروبات تمتلك عوامل ضراوة (Virulence factors) تساعدها على إحداث المرض ومواجهة دفاعات العائل.
وهنا يمكن أن نرى معنى جميلًا من معاني التوكل.
فالتوكل ليس معناه أن يجلس الإنسان وينتظر النتيجة دون أن يأخذ بالأسباب، وإنما أن يأخذ بالأسباب ثم يثق بالله.
وكأن كل كائن في هذه المنظومة يؤدي دوره وفق السنن التي أودعها الله في خلقه.
بين العجلة والتأني.. درس من علم الأمراض
ومن الأمور التي لفتت انتباهي أثناء دراسة الأمراض المعدية اختلاف سلوك الأمراض في طبيعتها ومسارها.
فهناك عدوى قد تتطور بصورة سريعة، وقد تكون شديدة في بعض الحالات، بينما توجد عدوى أخرى قد تستمر لفترات طويلة، وقد تدخل في مراحل مزمنة أو كامنة (Latent infection) بحسب طبيعة الميكروب والعائل والمرض.
وهنا نستطيع أن نستحضر، على سبيل التأمل، معنى المقولة:
«في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة».
فليس كل ما يحدث بسرعة يكون أفضل، وليس كل ما يتأخر يكون أسوأ.
أحيانًا تكون السرعة سببًا في انتهاء الأمر سريعًا، وأحيانًا تكون سببًا في تفاقمه.
وأحيانًا يكون البطء هو الذي يسمح للشيء بالاستمرار والتطور.
وهذا لا يعني بالطبع أن كل مرض مزمن أفضل من المرض الحاد، أو أن كل عدوى سريعة تكون أسوأ؛ فالأمراض تختلف اختلافًا كبيرًا، ولكل منها آلياتها وخصائصها.
ولكن التأمل في اختلاف مساراتها يجعلنا ندرك حقيقة أوسع:
أن لكل شيء سننًا وأسبابًا ووقتًا وقدرًا.

الميكروب والمناعة.. مواجهة لا نراها
داخل جسم الإنسان أو الحيوان تحدث معارك لا نراها بأعيننا.
ميكروب يحاول أن يستمر.
وجهاز مناعي يحاول أن يمنعه.
خلايا تتعرف على الخطر.
وأخرى تهاجم.
وعوامل تساعد الميكروب على الانتشار.
وعوامل أخرى مناعية تحاول إيقافه.
كل ذلك يحدث في عالم مجهري، دون أن نشعر بتفاصيله.
ومع ذلك، نحن نرى أثر هذه المعركة في النهاية:
شفاء، أو استمرار للمرض، أو مضاعفات، أو أحيانًا وفاة.
وهنا لا يسع طالب العلم إلا أن يتأمل في قوله تعالى:
﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾
فالجسد الذي نعيش داخله كل يوم يحمل من الأسرار والتعقيد ما يجعل الإنسان يقف عاجزًا عن الإحاطة بكل تفاصيله.
ولله في خلقه حكمة
ربما تكون أجمل فكرة يمكن أن نخرج بها من هذا التأمل هي أن العلم لا ينبغي أن يجعلنا نرى الأشياء بعين المعرفة فقط، بل بعين التدبر أيضًا.
قد يدرس طالب الطب البكتيريا فيرى اسمها، وشكلها، وطريقة انتقالها، وعوامل ضراوتها، والأنسجة التي تستهدفها.
وقد يدرس طالب آخر الفيروسات، فيتعلم كيف تدخل الخلية وكيف تستغل آلياتها للتكاثر.
لكن هناك مستوى آخر من النظر:
من الذي أوجد هذه القوانين؟
ومن الذي جعل لكل كائن خصائصه؟
ومن الذي جعل في جسم الإنسان والحيوان جهازًا مناعيًا قادرًا على التعرف على هذا الخطر ومقاومته؟
كلما ازداد الإنسان علمًا، كان من المفترض أن يزداد تدبرًا في عظمة الخالق.
فالطب لا يجيبنا فقط عن سؤال:
«كيف يحدث المرض؟»
بل قد يدفعنا أيضًا إلى سؤال أعمق:
«كم من الحكمة والدقة أودعها الله في هذا الخلق؟»
وهنا يصبح العلم وسيلة لفهم الكون بصورة أعمق، لا مجرد معلومات نحفظها من أجل الامتحان.
خذ بالأسباب.. وتوكل على الله
وهناك درس آخر يمكن أن نتعلمه.
الميكروب لا يتوقف عن السعي للبقاء وفق طبيعته، والجسم لا يتوقف عن الدفاع عن نفسه وفق ما أودع الله فيه من آليات.
والإنسان كذلك لا ينبغي أن يتواكل.
إذا مرض، يأخذ بالأسباب.
وإذا أراد النجاح، يجتهد.
وإذا أراد الرزق، يسعى.
ثم بعد ذلك كله يتوكل على الله.
فالفرق كبير بين التوكل والتواكل.
التوكل أن تبذل ما تستطيع ثم تقول:
يا رب، فعلت ما أستطيع، وأنت أعلم بالنتيجة.
أما التواكل فهو أن تترك الأسباب ثم تنتظر النتائج.
العلم الذي يقود إلى التدبر
وفي النهاية، ربما لا تكون أجمل ثمار دراسة علم الأمراض المعدية هي أن نحفظ أسماء الميكروبات أو نعرف طرق تشخيصها وعلاجها فقط.
بل أن نتعلم أن ننظر إلى ما حولنا بعين مختلفة.
أن نرى في أدق التفاصيل معنى.
وفي كل نظام حكمة.
وفي كل مخلوق آية.
فقد تمر أمامنا نملة صغيرة فنقول: إنها مجرد نملة.
وقد نرى ميكروبًا تحت المجهر فنقول: مجرد بكتيريا.
لكن عندما نتأمل قليلًا ندرك أن وراء كل ذلك خلقًا محكمًا وسننًا دقيقة.
قال الله تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾
لذلك، لا تجعل العلم مجرد معلومات تحفظها.
ادرس، وافهم، ثم تأمل.
فربما كان في المعلومة التي تحفظها للامتحان، معنى يغيّر نظرتك إلى الحياة كلها.
فسبحان من خلق فأبدع، وقدّر فأحكم، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
ولله في خلقه شؤون… ولله في عباده حكم لا نحيط بها علمًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق