رحلة أوديسيوس: العودة الأسطورية من طروادة إلى إيثاكا

رحلة أوديسيوس: العودة الأسطورية من طروادة إلى إيثاكا

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

رحلة أوديسيوس: العودة الأسطورية من طروادة إلى إيثاكا

إعداد وكتابة: صلاح السيد

مقدمة

بعد سقوط طروادة على يد اليونانيين، عقب حصار دام عشر سنوات كاملة، لم تكن رحلة العودة إلى الوطن أقل قسوة من الحرب نفسها بالنسبة لبطل الملحمة الإغريقية أوديسيوس، ملك جزيرة إيثاكا. فبينما عاد كثير من رفاقه اليونانيين إلى ديارهم بسرعة نسبية، امتدت رحلة أوديسيوس عشر سنوات أخرى، حافلة بالمغامرات الخارقة والمخاطر الأسطورية والصراعات مع قوى إلهية غاضبة، قبل أن يصل أخيراً إلى زوجته بينيلوبي وابنه تيليماخوس. هذه الرحلة هي موضوع الأوديسة، الملحمة الثانية المنسوبة إلى هوميروس، والتي تُعد من أهم النصوص المؤسسة للأدب الغربي، إذ حوّلت فكرة 'الرحلة' إلى رمز خالد للسعي الإنساني نحو الهوية والعودة والمعنى.

وتختلف الأوديسة عن الإلياذة في بنيتها السردية، إذ لا تسير الأحداث بترتيب زمني مباشر، بل تبدأ من منتصف القصة تقريباً، وتُروى أجزاء كبيرة من مغامرات أوديسيوس بأثر رجعي، عبر روايته الخاصة لأهل جزيرة الفياقيين الذين استضافوه في آخر محطات رحلته. وتتكون الملحمة من أربعة وعشرين نشيداً كذلك، مثل الإلياذة، لكنها تتوزع بين ثلاثة خطوط سردية متوازية: مغامرات ابنه تيليماخوس بحثاً عن أخبار والده، ورحلة أوديسيوس نفسه بمخاطرها العجيبة، وأخيراً أحداث العودة والانتقام في إيثاكا.

ولم تكن الأوديسة مجرد سرد لأحداث خيالية متتالية، بل حملت في طياتها تأملات عميقة في معنى الضيافة، والولاء، والحنين إلى الوطن، وهي قيم كانت جوهرية في المجتمع اليوناني القديم، إذ يُختبر أوديسيوس في كل محطة من محطات رحلته بمدى التزامه بهذه القيم، كما يُختبر من يستقبلونه بمدى وفائهم لتقاليد كرم الضيافة المقدسة عند الإغريق.

تيليماخوس يبحث عن أبيه

قبل أن تروي الملحمة تفاصيل مغامرات أوديسيوس، تفتتح أحداثها في إيثاكا، حيث يعيش ابنه تيليماخوس، الذي بلغ سن الشباب دون أن يعرف والده، وسط قصر يعج بالخُطّاب المتطفلين الذين يحاصرون والدته بينيلوبي طمعاً في الزواج منها والاستيلاء على العرش. وبتشجيع من الإلهة أثينا التي تظهر له متنكرة، يقرر تيليماخوس الإبحار بحثاً عن أخبار والده، فيزور بيلوس عند الملك نسطور، ثم إسبرطة عند الملك مينيلاوس وزوجته هيلين، ليعرف أن والده لا يزال حياً، لكنه محتجز في جزيرة بعيدة لدى الحورية كاليبسو. وتمهّد هذه الرحلة الفرعية لنضج تيليماخوس واستعداده لاحقاً لمساندة والده في مواجهة الخُطّاب.

غضب بوسيدون: جذور المحنة

تبدأ محنة أوديسيوس الحقيقية بعد مغادرته طروادة مباشرة، حين يتوقف في أرض السيكونيين وينهب مدينتهم، فيخسر بعض رجاله في هجوم مضاد. لكن الحدث الأكثر تأثيراً في مسار الرحلة بأكملها يقع في جزيرة العملاق بوليفيموس، ابن الإله بوسيدون، حيث يحاصر أوديسيوس ورجاله داخل كهف العملاق ذي العين الواحدة بعدما دخلوه بحثاً عن الطعام والضيافة. وحين يكتشف بوليفيموس وجودهم، يلتهم عدداً من رجال أوديسيوس، فيلجأ أوديسيوس إلى الحيلة، معرّفاً نفسه للعملاق باسم 'لا أحد' (Outis)، ثم يُعمي عينه الوحيدة بواسطة وتد خشبي محمّى بالنار بينما هو نائم، ليتمكن هو وبقية رجاله من الهروب متخفين تحت بطون قطيع من الأغنام.

وحين يستغيث بوليفيموس بجيرانه من العمالقة قائلاً إن 'لا أحد' يؤذيه، يظنون أنه يهذي فلا يهبّون لنجدته، في مفارقة ذكية تكشف عن حكمة أوديسيوس ودهائه. غير أن أوديسيوس، بدافع الغرور والفخر، يعلن عن اسمه الحقيقي وهو يبتعد بسفينته، فيسمعه بوليفيموس ويدعو والده بوسيدون، إله البحار، لينتقم منه. ومنذ تلك اللحظة، يصبح بوسيدون العدو الأول لأوديسيوس، يطارده بالعواصف ويعرقل عودته عاماً بعد عام، في تجسيد واضح لفكرة أن غطرسة البطل الإغريقي (Hubris) قد تجلب عليه غضب الآلهة، مهما بلغت شجاعته وذكاؤه.

وقبل وصوله إلى جزيرة بوليفيموس، يتوقف أوديسيوس أيضاً عند جزيرة إيولوس، إله الرياح، الذي يهبه كيساً من الجلد يحبس بداخله كل الرياح المعاكسة، تاركاً فقط ريحاً واحدة موافقة تدفع سفنه مباشرة نحو إيثاكا. لكن حين يقترب أوديسيوس من وطنه بعد رحلة طويلة، يستسلم للنوم من الإرهاق، فيفتح رجاله الكيس ظناً منهم أنه يحوي كنزاً ذهبياً أخفاه عنهم، فتنطلق الرياح جميعاً دفعة واحدة وتعيد السفن أدراجها بعيداً عن الوطن، في واحدة من أقسى المفارقات المأساوية في الملحمة.

جزيرة اللوتس الآكلين

من أولى المحطات الغريبة في الرحلة جزيرة قوم يأكلون ثمار اللوتس، وهي ثمار سحرية تجعل من يتذوقها ينسى وطنه ويفقد الرغبة في العودة، غارقاً في نشوة كسولة دائمة. وحين يبعث أوديسيوس بعض رجاله لاستكشاف الجزيرة، يتذوقون الثمار وينسون تماماً هدف رحلتهم، فيضطر أوديسيوس إلى انتزاعهم بالقوة وربطهم داخل السفن لإكمال الرحلة. وتُعد هذه الحادثة من أوائل الرموز الأدبية للإدمان والنسيان الطوعي، وتحذيراً من إغراءات الراحة الزائفة التي تُبعد الإنسان عن غايته الحقيقية.

كيرك الساحرة وتحويل الرجال إلى خنازير

في جزيرة إيايا، يقع أوديسيوس ورجاله في قبضة الساحرة كيرك، التي تحوّل عدداً من رجاله إلى خنازير بواسطة السحر والشراب المسموم. وبفضل مساعدة الإله هرمس، الذي يمنح أوديسيوس عشبة سحرية تحصّنه من سحرها، يتمكن من مواجهة كيرك وإجبارها على إعادة رجاله إلى هيئتهم البشرية. وتبقى كيرك بعد ذلك حليفة لأوديسيوس، بل تشاركه فراشها لعام كامل، وتقدّم له نصيحة حاسمة قبل رحيله: أن يزور عالم الموتى (الهاديس) ليستشير روح العرّاف طيرسياس حول مصيره وطريق عودته.

زيارة العالم السفلي

تُعد رحلة أوديسيوس إلى الهاديس، عالم الموتى، من أكثر المحطات رمزية وعمقاً في الملحمة، إذ يلتقي هناك بأرواح عدد من الشخصيات المهمة، من بينها والدته المتوفاة أنتيكليا التي يعلم منها بحزنها الشديد على غيابه وبمعاناة بينيلوبي وتيليماخوس في إيثاكا، والعرّاف طيرسياس الذي يحذّره من أخطار الرحلة القادمة، خصوصاً ضرورة عدم المساس بماشية إله الشمس هيليوس، كما يلتقي بأرواح رفاقه من حرب طروادة، بينهم أخيل الذي يصرّح بندمه على موته المبكر قائلاً إنه يفضّل أن يكون أفقر أجير على قيد الحياة على أن يكون ملكاً على الموتى، وأجاممنون الذي يروي له بمرارة كيف قُتل غدراً على يد زوجته وعشيقها فور عودته من طروادة، في مشهد يقارن ضمنياً بين مصير أجاممنون التعيس ومصير أوديسيوس المرتقب، ويُنذر بأهمية الحذر عند العودة إلى الوطن.

صفير السيرينات وسكيلا وخاريبديس

من أشهر مغامرات أوديسيوس عبوره بمحاذاة جزيرة السيرينات، تلك الكائنات الأسطورية التي يغري غناؤها الساحر البحّارة فيقودهم إلى الغرق والهلاك. وبناءً على نصيحة كيرك، يأمر أوديسيوس رجاله بسدّ آذانهم بالشمع، بينما يُقيَّد هو نفسه إلى صاري السفينة كي يسمع الغناء دون أن يتمكن من الاستجابة له، في مشهد يجسّد الصراع بين الفضول الإنساني والانضباط الذي يحفظ النجاة.

وبعد ذلك، يضطر أوديسيوس لعبور مضيق ضيق محفوف بخطرين هائلين في آنٍ واحد: سكيلا، الوحش ذو الرؤوس الستة الذي يلتهم البحّارة من على ظهر السفينة، وخاريبديس، الدوامة العملاقة التي تبتلع السفن بأكملها. ويختار أوديسيوس، باتباع نصيحة كيرك، المرور قرب سكيلا وتقبّل خسارة عدد من رجاله، بدلاً من المخاطرة بالسفينة بأكملها في مواجهة خاريبديس، في درس عن ضرورة اتخاذ القرارات الصعبة بأخف الأضرار.

ماشية إله الشمس والعقاب الإلهي

رغم التحذيرات المتكررة، يضطر أوديسيوس ورجاله للرسو في جزيرة الشمس (ثريناكيا) حيث ترعى ماشية الإله هيليوس المقدسة. وحين يقع الجوع القاسي برجاله بعد أن تحبسهم الرياح المعاكسة في الجزيرة لفترة طويلة، يخالف بعضهم أوامر أوديسيوس ويذبحون بعض الماشية المقدسة لسد جوعهم. وحين يعلم هيليوس بذلك، يهدد زيوس بإخفاء الشمس عن العالم وإنارتها فقط في عالم الموتى ما لم يُعاقب المذنبون، فيرسل زيوس عاصفة رعدية تحطّم سفينة أوديسيوس وتُغرق كل رجاله، تاركة أوديسيوس وحيداً ناجياً من بين كل من أبحروا معه من طروادة.

كاليبسو وأوجيجيا

يقضي أوديسيوس، بعد فقدانه سفينته وجميع رفاقه، سبع سنوات كاملة في جزيرة أوجيجيا، حيث تحتجزه الحورية كاليبسو التي تقع في حبه وتعرض عليه الخلود مقابل البقاء معها إلى الأبد. غير أن أوديسيوس، رغم كل مباهج الجزيرة السحرية، يظل متعلقاً بالحنين إلى وطنه وزوجته بينيلوبي، رافضاً فكرة الخلود في مقابل فقدان هويته وعائلته. وفي النهاية، وبأمر من زيوس نفسه استجابة لتوسلات الإلهة أثينا، تضطر كاليبسو لإطلاق سراحه، فيبني أوديسيوس طوفاناً بسيطاً ويبحر من جديد، قبل أن يُحطّم بوسيدون طوفانه في عاصفة أخيرة من عواصف انتقامه.

أرض الفياقيين والعودة إلى إيثاكا

يصل أوديسيوس منهكاً، عارياً تقريباً وقد فقد كل شيء، إلى شواطئ جزيرة الفياقيين، حيث تجده الأميرة ناوسيكا أثناء غسيلها الملابس على الشاطئ برفقة خادماتها، فتُظهر شفقة وكرماً استثنائيين وتقوده إلى قصر والدها الملك ألكينوس. وهناك، وسط وليمة فخمة وأجواء الضيافة الفياقية الكريمة، وبعد أن يستمع إلى منشد يروي أحداثاً من حرب طروادة تُبكيه دون أن يكشف هويته، يُفصح أوديسيوس أخيراً عن اسمه الحقيقي، ويروي قصة رحلته كاملة بنفسه، وهو ما يُشكّل الجزء الأكبر من الأحداث التي استعرضناها سابقاً. ويتأثر الفياقيون بقصته العجيبة، ويقتنع الملك ألكينوس بمساعدته رغم تحذيرات قديمة من غضب بوسيدون تجاه شعبه إن هو فعل ذلك، فيزوّده بسفينة سريعة وطاقم ماهر يوصلانه، وهو نائم، أخيراً بعد عشرين عاماً كاملة من الغياب، إلى شواطئ إيثاكا.

لكن العودة لا تعني نهاية المحن، إذ يجد أوديسيوس، بمساعدة أثينا التي تخفي معالم الجزيرة عنه مؤقتاً لتُطلعه على حقيقة الأوضاع أولاً، أن قصره محاصر بأكثر من مئة من الخُطّاب الوقحين الذين يتنافسون على الزواج من زوجته المخلصة بينيلوبي، ظناً منهم أنه قد هلك في البحر، بينما يستنزفون ثروته وماشيته يومياً في الولائم، ويهددون مستقبل ابنه تيليماخوس وحياته. أما بينيلوبي، فقد ظلت وفية طوال هذه السنوات، مستخدمة حيلة ذكية لتأجيل قرار الزواج، إذ وعدت الخُطّاب باختيار أحدهم بعد أن تنتهي من نسج كفن لوالد زوجها، لكنها كانت تُفكّك بالليل ما نسجته بالنهار، إلى أن اكتُشفت حيلتها في النهاية.

وبمساعدة الإلهة أثينا، يتنكر أوديسيوس في هيئة متسول عجوز بائس ليدخل قصره خلسة ويقيّم الموقف عن قرب، حيث لا يتعرف عليه أحد سوى كلبه العجوز أرجوس الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة فرحاً برؤية سيده بعد طول غياب، ومربيته العجوز يوريكليا التي تتعرف عليه من ندبة قديمة في ساقه أثناء غسل قدميه. وفي اللحظة المناسبة، وبعد أن ينجح وحده في ثني قوسه الثقيل الذي عجز عنه جميع الخُطّاب في مسابقة اقترحتها بينيلوبي، يكشف أوديسيوس عن هويته، مستعيناً بابنه تيليماخوس وبعض الخدم المخلصين، لينتقم من الخُطّاب جميعاً في مذبحة دامية داخل القاعة الكبرى، تُعيد له عرشه وزوجته وأسرته، وتضع حداً لعشرين عاماً من الغياب والانتظار.

الرمزية والقيمة الأدبية للأوديسة

تجاوزت الأوديسة كونها مجرد حكاية مغامرات بحرية، لتصبح رمزاً خالداً لفكرة السعي الإنساني نحو الهوية والعودة إلى الذات. فرحلة أوديسيوس، بكل ما تحمله من إغراءات ومخاطر وتجارب اختبار الصبر والحكمة، تعكس رحلة الإنسان في الحياة، وصراعه بين الرغبة والواجب، بين المتعة الآنية والالتزام تجاه من يحب. ولهذا، أصبح مصطلح 'الأوديسة' في اللغات الأوروبية الحديثة يُستخدم للدلالة على أي رحلة طويلة وشاقة مليئة بالتجارب والمخاطر، بعيداً عن سياقها الأسطوري الأصلي.

كما أثّرت الأوديسة بعمق في الأدب العالمي عبر العصور، من 'الإنيادة' لفرجيل التي استلهمت بنيتها السردية، إلى أعمال حديثة مثل رواية 'يوليسيس' لجيمس جويس التي أعادت صياغة رحلة أوديسيوس في إطار يوم واحد بمدينة دبلن الحديثة، وصولاً إلى عشرات الأفلام والمسرحيات التي استلهمت شخصية البطل الحكيم المخادع الذي يستخدم ذكاءه لا قوته وحدها للنجاة.

خاتمة

تظل الأوديسة، برحلاتها الغريبة ومخاطرها الأسطورية، واحدة من أعظم استعارات الأدب الإنساني عن معنى الرحلة والعودة والصمود. فأوديسيوس ليس بطلاً بالقوة الجسدية وحدها، بل بالحيلة والصبر والإصرار على العودة رغم كل إغراءات النسيان والاستسلام التي واجهته في كل محطة. ولهذا، ظلت رحلته، رغم مرور آلاف السنين، نموذجاً إنسانياً خالداً يتردد صداه في كل قصة عن الغربة والحنين والبحث عن الطريق إلى الوطن.

المصادر

• هوميروس، الأوديسة، ترجمة سليمان البستاني ونسخ عربية أخرى متعددة.

• Homer, The Odyssey, translated by Robert Fagles, Penguin Classics.

• Homer, The Odyssey, translated by Emily Wilson, W.W. Norton & Company.

• Kirk, G.S. The Songs of Homer. Cambridge University Press.

• موسوعة بريتانيكا (Encyclopaedia Britannica)، مداخل 'Odyssey' و'Odysseus'.

• Stanford, W.B. The Ulysses Theme: A Study in the Adaptability of a Traditional Hero. Basil Blackwell.

• Wood, Michael. In Search of the Trojan War. BBC Books.

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
salah elsayid تقييم 4.9 من 5.
المقالات

6

متابعهم

5

متابعهم

7

مقالات مشابة
-