بين حضن الامان وغرور الايام : رحلة الانسان من قطرة الحنان الي قمة الجحود

بين حضن الامان وغرور الايام : رحلة الانسان من قطرة الحنان الي قمة الجحود

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

​بين حضن الأمان وغرور الأيام: رحلة الإنسان من قطرة الحنان إلى قمة الجحود image about بين حضن الامان وغرور الايام : رحلة الانسان من قطرة الحنان الي قمة الجحود

​مقدمة: الذاكرة التي تخون أصحابها

​الحياة مسيرة طويلة تبدأ من نقطة ضعف مطلقة وتنتهي إلى محطات من القوة والاكتمال. وفي هذه الرحلة الطويلة، ينسى الإنسان أحياناً كثيرة، أو يتناسى عن عمد، المنبع الأول الذي استقى منه حياته وقوته. إن أعظم قصة تضحية ووفاء في وجودنا البشري تختصرها عبارة بليغة ومؤثرة تظهر في صدارة المشهد: "يرضع الطفل من أمه... ثم يكبر وينسى!". هذه الجملة ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي مرآة فاضحة لجانب مظلم من النفس البشرية، حيث ينقلب الجحود أحياناً مكاناً للعرفان، ويتحول النسيان إلى جحود ونكران للجميل.

​مراحل التكوين: كيف يرتفع الإنسان على أكتاف أمه؟

​تُظهر الصورة بوضوح تدرج مراحل العمر البشري؛ تبدأ برضيع يحبو على الأرض، ثم طفل يخطو خطواته الأولى بثقة، ثم طالب يحمل حقيبته متسلحاً بالعلم، ثم شاب في مقتبل العمر، وأخيراً رجل يرتدي البذلة الرسمية بوقار وثقة تامة.

​لكن السؤال العميق الذي يجب أن يسأله كل عاقل لنفسه: من الذي مهّد هذا الطريق الطويل لكل مرحلة؟

  • في مرحلة الرضاعة: لم يكن الرضيع قادراً على جلب شربة ماء ولا دفع أذى عن نفسه، فكانت الأم هي الدرع والحصن والغذل والحنان.
  • في مرحلة الطفولة والشباب: كانت الأهرامات البشرية والروحيّة تبنى بجهد صامت وسهر طويل من أم تنحت من زمني ومحتوى عمرها لتمنحه لابنها.

​لقد صعد هذا الرجل الذي يقف اليوم بملابسه الأنيقة على سلالم بنتها له أمه قطرة قطرة من دمها وعرقها وراحة بالها.

​المفارقة المؤلمة: حين يرتد الجميل جحوداً

​ما أشد قسوة الحياة حين يعود الإنسان ليتنكر لأصله! الأسوأ من النسيان هو الجحود الفكري والأخلاقي؛ ففي المشهد السفلي من الصورة، يجلس الرجل نفسه في مجالس الرجال والمثقفين، بكامل هندامه وغروره، ليردد مقولة ميكانيكية جاهزة يقلل فيها من شأن المرأة قائلاً: "المرأة بنصف عقل!".

​هنا تبرز المفارقة الصارخة والمفجعة:

كيف لرجل أن يستقيم عقله، ويكتمل وعيه، ويبلغ أعلى المناصب، ويجلس متحدثاً بفصاحة وبلاغة، لولا ذلك "العقل" العظيم والقلب الرحيم الذي رعاه وهو عاجز لا حول له ولا قوة؟

أليس من الجحود البين أن يستقوي الإنسان بنتاج رعاية امرأة (أمه) لينal من قدر نساء الجنس البشري كله، متجاهلاً أن العقل الذي يتباهى به اليوم وُضع حجر أساسه في حضن أم عظيمة؟

​وقفة مع الذات: "أسأل نفسك أولاً... كيف اكتمل عقلك؟"

​تدعونا الصورة بحكمة بالغة إلى مراجعة النفس ومحاسبة الضمير من خلال تساؤل جوهري: "أسأل نفسك أولاً... كيف اكتمل عقلك؟".

  1. الاعتراف بالفضل: إن العقل السليم والرزين هو الذي يعرف قدر من علّمه ومن ربّاه ومن سهر من أجله.
  2. التواضع لا الكبرياء: النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا بالعرفان بالجميل، والاعتراف بأن النجاح الفردي هو ثمرة جماعية يقف على رأسها الأمهات المضحيات.
  3. تصحيح المفاهيم: إن النظرة القاصرة للمرأة التي تربي الأجيال وتصنع الرجال هي نقص في وعي الرجل لا في عقل المرأة؛ فمن أنجبت العقول ورعت المفكرين والقادة لا يمكن بحال من الأحوال أن تُوصَف بالنقص إلا من عين جاهلة تنسى أصلها وفصلها.

​خاتمة: الوفاء لمن صنعوا الوجود

​إن الحياة أقصر من أن نضيّعها في نكران الجميل أو استعراض القوة الزائفة على من كانوا سبباً في وجودنا واستمرارنا. ليتذكر كل إنسان وصل إلى مرتبة من العلم أو المال أو الجاه أن خلف كل خطوة ناجحة أماً سهرت ودعت وضحت بصمت. فلنكن من الشاكرين الذاكرين لفضل الأمهات، ولندرك أن اكتمال عقل الإنسان الحقيقي يقاس بمدى بره وتقديره لمن زرعت فيه الحياة والبقاء.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
امل احمد عبد الواحد تقييم 4.98 من 5.
المقالات

38

متابعهم

127

متابعهم

362

مقالات مشابة
-