الحياة البدوية من عيون مستوطن بالحضر

الحياة البدوية من عيون مستوطن بالحضر

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

بواسطة: هدير أمجد

 

قد تبدو الحياة البدوية للبعض ملاذًا هادئًا بعيدًا عن صخب المدن وضغوطها؛ حيث تمتد الصحراء بلا حدود، ولا شيء يعكر صفوها سوى خطوات الإبل والأغنام. وقد يتخيل البعض أن حياة البدو لا تتجاوز رعي الماشية والتنقل من مكان إلى آخر، بعيدًا عن تعقيدات العالم الحديث وصراعاته.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا مما يبدو.

هذه الصورة يرويها «أشرف معوض» (40 عامًا)، العامل في مجال البترول بمحافظة البحر الأحمر، والذي عاش سنوات بين البدو بمدينة الغردقة، وتحديدًا بمنطقة الجبل، إلى جانب تبنيه للطفلة البدوية «رقية» وهي في السادسة من عمرها، واختلاطه اليومي بأبناء القبائل خلال تنقلاته في العمل؛ ليشاركنا، خلال لقاء معه، تفاصيل مجتمع لا يزال يحتفظ بعاداته وتقاليده حتى اليوم.

 

يوم يبدأ مع شروق الشمس

بحسب «أشرف»، يبدأ يوم البدوي مع أول خيوط الشمس، وبعد تناول الإفطار يرتدي «التوب»، وهو جلباب خفيف وعملي يساعده على السير لساعات طويلة بين الجبال والوديان.

ويقضي البدوي معظم يومه في رعي الأغنام والإبل، بينما يخصص بقية وقته للتنقل على ظهر جمله بين التجار لبيع الأصواف وشراء احتياجات أسرته من السلع الأساسية، مثل الأرز والزيت والمعلبات، قبل أن ينتهي يومه مع غروب الشمس.

أما عن مساكنهم، فهي بسيطة للغاية، فلا تشغلهم تفاصيل البناء بقدر ما يشغلهم وجود مأوى يحميهم من حرارة الشمس والأتربة. ولأنهم بطبيعتهم رحّل، يستقرون بالقرب من الأراضي الخصبة أو مصادر المياه، ثم يواصلون رحلتهم كلما جفت الأرض أو شحت مواردها.

ورغم انشغال الرجال بأعمال الرعي والتنقل، فإن العادات والتقاليد تحتل مكانة خاصة في المجتمع البدوي، إذ تتشابه قيم القبائل في كثير من المناطق، سواء في سيناء أو جنوب البحر الأحمر، ويظل الاهتمام بتربية الأبناء وغرس القيم واحترام الكبير من الثوابت التي يحرص الجميع على نقلها من جيل إلى آخر.

 

ماذا عن المرأة البدوية؟

لا يقتصر دور المرأة البدوية على تربية الأبناء والاهتمام بشؤون المنزل، بل تمتد مسؤولياتها لتشارك زوجها كثيرًا من تفاصيل الحياة اليومية، بداية من رعي الأغنام والإبل، وحتى جلب المياه من الآبار.

ورغم تلك المسؤوليات، تجد وقتًا لممارسة الأعمال اليدوية التي تحبها، فتغزل ملابسها من صوف الأغنام، وتزين البرقع بالتطريز والزخارف، لتجمع بين العمل والإبداع في آنٍ واحد.

أما عن ملابسها، فتتميز بالبساطة والاحتشام؛ إذ ترتدي جلبابًا أسود اللون، وتحرص على ارتداء «اللثام»، وهو غطاء فضفاض يشبه النقاب إلى حدٍ ما، لكنه يُرتدى باعتباره عادة اجتماعية متوارثة أكثر من كونه مظهرًا تعبديًا عند وجودها بين غير المحارم.

أما الفتيات، فيرتدين الجلباب الأسود أيضًا، لكن مع أغطية رأس ملونة تتزين بالتطريزات والزخارف التي تضفي على ملابسهن طابعًا مميزًا.

 

image about الحياة البدوية من عيون مستوطن بالحضر
صورة أرشيفية لأشغال البدو

 

المشاركة.. أسلوب حياة

فرضت طبيعة الصحراء على البدو نمطًا مختلفًا من الحياة، يقوم على المشاركة والتعاون أكثر من الاعتماد على الفرد وحده.

فالرجل والمرأة يتقاسمان كثيرًا من المسؤوليات، كلٌ بحسب دوره، وهو ما أوجد حالة من الاحترام المتبادل بينهما، ورسخ قيمًا مثل الشجاعة، وتحمل المسؤولية، واللين في موضعه، والحزم حين تقتضي الحاجة.

ورغم ما تمنحه الحياة البدوية من هدوء وتناغم، فإنها ليست سهلة كما يتصورها البعض.

فمع جفاف مصادر المياه وتراجع المراعي، أصبحت الحياة في الصحراء أكثر قسوة، واضطر كثير من البدو إلى ترك حياة الترحال والاستقرار في المدن بحثًا عن فرص عمل ودخل أكثر استقرارًا.

لكن المفارقة أن الانتقال إلى الحضر لا يعني دائمًا انتهاء علاقتهم بالصحراء.

ويرى «أشرف» أن كثيرًا من البدو يظل الحنين يشدهم إلى حياتهم الأولى، حتى إن بعضهم يقرر العودة إليها بعد سنوات من الاستقرار، موضحًا أن السبب لا يرتبط بالمكان وحده، بل بالشعور الذي تمنحه لهم الصحراء، حيث يجد البدوي ذاته، ويشعر بقوة شخصيته وحريته بعيدًا عن قيود حياة المدن.

 

image about الحياة البدوية من عيون مستوطن بالحضر
صورة أرشيفية للبدو حول النار

 

شيخ القبيلة.. الأب الروحي وحارس العادات

بعيدًا عن مؤسسات الدولة، يحتكم البدو في كثير من شؤونهم إلى شيخ القبيلة، الذي يحظى بمكانة كبيرة بين أفرادها، لما يتمتع به من حكمة وخبرة وقدرة على الفصل في النزاعات.

ويلخص «أشرف» مكانة شيخ القبيلة بقوله:

"مجرد إن واحد يقول للتاني: هشتكيك لشيخ القبيلة.. بيكون كفاية جدًا. الكل بيحترم كلمته، وبيعتبره المرجع الأول لأي خلاف."

ولا تقتصر تلك المكانة على الشيخ وحده، إذ تحظى زوجته أيضًا باحترام سيدات القبيلة، ويلجأن إليها في كثير من شؤونهن الخاصة، دون أن يكون لها دور رسمي أو سلطة بعينها.

ويؤكد «أشرف» أن هذا النظام الاجتماعي لا يزال حاضرًا بين عدد من قبائل جنوب البحر الأحمر حتى اليوم.

 

العلاج والغذاء والتعليم.. حياة تفرض حلولها

يفرض البعد عن المدن على البدو الاعتماد على أنفسهم في كثير من تفاصيل حياتهم، حتى في العلاج.

ويقول «أشرف» إنهم يعتمدون على ما يعرف بـ«الوصفات الطبية البدوية»، والتي تقوم على الأعشاب الطبيعية، إلى جانب وسائل علاجية متوارثة مثل الكي والحجامة، موضحًا أن طبيعة غذائهم ساعدتهم أيضًا على التمتع بصحة جيدة في كثير من الأحيان.

فمائدتهم تعتمد على الطعام البسيط، ويغلب عليها لحم الماعز والأرانب البرية خلال فصل الشتاء، إلى جانب المعلبات التي تفرضها طبيعة الحياة الصحراوية، فضلًا عن الالتزام بمواعيد مبكرة للنوم والاستيقاظ.

أما التعليم، فلا يزال يمثل أحد أكبر التحديات أمام كثير من البدو الرحل، إذ يحول تنقلهم المستمر دون توافر المدارس بالقدر الكافي، وهو ما انعكس على مستوى الوعي بأهمية التعليم داخل بعض التجمعات البدوية.

لكن مع استقرار عدد من الأسر في مناطق مثل الغردقة، والقصير، ومرسى علم، وغرب رأس غارب، بدأت تظهر محاولات لتغيير هذا الواقع، من بينها مشروع «الفصل الواحد» الذي نفذته منظمة «الفاو» بالتعاون مع عدد من الجمعيات الأهلية، لإتاحة فرص التعليم لأبناء البدو.

 

image about الحياة البدوية من عيون مستوطن بالحضر
صورة أرشيفية لمدرسة الفصل الواحد

 

ورغم ذلك، لا تزال فرص التعليم بالنسبة للفتيات أقل من الذكور في بعض التجمعات، بينما يقتصر التعليم في أحيان كثيرة على أبناء شيوخ القبائل أو الأسر القادرة على تحمل نفقاته.

 

بين الصحراء والمدينة

ورغم أن كثيرًا من ملامح الحياة البدوية تغيرت مع مرور الزمن، فإنها لا تزال تحتفظ بجوهرها؛ مجتمع يقوم على الترحال، واحترام العادات، والتعاون، والارتباط بالأرض التي اعتاد أهلها أن يمنحوها أعمارهم.

ومن خلال سنوات معايشته لهم، يرى «أشرف» أن ما يدفع البدوي إلى الحنين للصحراء ليس قسوة الحياة فيها أو سهولتها، وإنما شعوره بأنها المكان الذي يجسد هويته، ويمنحه الحرية التي يصعب أن يجدها في مكان آخر.

وربما لهذا السبب، يظل كثير من البدو، حتى بعد سنوات من الاستقرار في المدن، ينظرون إلى الصحراء باعتبارها وطنًا لا يغادر القلب، مهما ابتعدت عنه الأقدام.

 

image about الحياة البدوية من عيون مستوطن بالحضر
صورة أرشيفية لأطفال البدو بالصحراء

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Hadeer Amged صحفي تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

3

متابعهم

1

مقالات مشابة
-