كيف صوّرنا مجرّة درب التبانة ونحن نعيش بداخلها؟

كيف صوّرنا مجرّة درب التبانة ونحن نعيش بداخلها؟

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

كيف صوّر العلماء مجرّة درب التبانة ونحن نعيش بداخلها؟

حين ننظر إلى صور المجرّات الحلزونية في الفضاء، قد يخطر ببالنا سؤال منطقي: كيف استطاع العلماء تصوير مجرّتنا، مجرّة درب التبانة، ورسم شكلها الكامل، مع أنّنا نعيش بداخلها أصلًا؟ فالأمر يبدو شبيهًا بمحاولة رسم خريطة مدينة كاملة بينما نقف في أحد شوارعها، من دون أن نراها من الأعلى. ومع ذلك، نجح الفلكيون في بناء صورة دقيقة نسبيًا لشكل مجرّتنا وبنيتها، ليس من خلال “صورة واحدة” التُقطت من الخارج، بل عبر تجميع كمّ هائل من البيانات والرصد المتعدد الأطوال الموجية.

تكمن المشكلة الأساسية في أنّنا موجودون داخل قرص مجرّي واسع مليء بالنجوم والغاز والغبار الكوني. وهذا الغبار يحجب جزءًا كبيرًا من الضوء المرئي، خصوصًا عندما نحاول النظر نحو مركز المجرة أو عبر أذرعها الحلزونية. لذلك، لو اعتمد العلماء على التلسكوبات البصرية فقط، لما استطاعوا رؤية صورة واضحة لبنية درب التبانة. ومن هنا جاءت الفكرة الذكية: إذا كان الضوء المرئي لا يكفي، فلماذا لا ننظر إلى المجرة بوسائل أخرى؟

بدأ العلماء باستخدام الأشعة تحت الحمراء، وهي قادرة على اختراق كثير من سحب الغبار التي تحجب الرؤية. وقد لعبت تلسكوبات مثل سبيتزر وWISE دورًا مهمًا في كشف مناطق واسعة من المجرة، خصوصًا أماكن تشكّل النجوم والعناقيد النجمية المختبئة خلف الغبار. وبفضل هذه المشاهدات، أصبح من الممكن تتبّع أماكن الأذرع الحلزونية التي تنتشر فيها مناطق الولادة النجمية.

لكن رؤية بعض أجزاء المجرة لا تكفي وحدها لفهم شكلها الكامل. وهنا ظهر دور القياسات الدقيقة للمسافات. فقد جاءت مهمة غايا Gaia التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية لتُحدث نقلة هائلة في فهمنا لدرب التبانة. إذ قامت بقياس مواقع وحركات ومسافات أكثر من مليار نجم بدقة مذهلة، مستخدمة مبدأ يُعرف باسم اختلاف المنظر. وببساطة، عندما نرصد النجم من موضعين مختلفين في مدار الأرض حول الشمس، يبدو وكأنه يتحرك قليلًا أمام الخلفية البعيدة، ومن هذا التغيّر الصغير يمكن حساب المسافة إليه. وعندما تتكرر هذه العملية لملايين ومليارات النجوم، نحصل على خريطة ثلاثية الأبعاد للمجرة من الداخل.

ولم يكتفِ العلماء بذلك، بل استخدموا أيضًا الرصد الراديوي لدراسة الغاز البارد المنتشر في أذرع المجرة. فالموجات الراديوية تستطيع هي الأخرى عبور الغبار، وتكشف عن سحب الهيدروجين والمناطق الغنية بالغاز، وهي عناصر أساسية لفهم بنية درب التبانة وشكل أذرعها. ومن خلال جمع بيانات النجوم والغاز والغبار، أصبح بالإمكان تكوين نموذج متكامل للمجرة.

إذًا، الصورة التي نراها اليوم لمجرّة درب التبانة ليست لقطة فوتوغرافية التقطتها مركبة من خارج المجرة، بل هي إعادة بناء علمية دقيقة اعتمدت على خرائط الأشعة تحت الحمراء، والرصد الراديوي، وقياسات الحركة والمسافة، ثم جُمعت هذه البيانات داخل نماذج حاسوبية متقدمة. وبذلك استطاع العلماء أن “يرسموا” مجرّتنا كما لو أنّهم ينظرون إليها من أعلى.

إنّ ما يجعل هذا الإنجاز مدهشًا حقًا هو أنّ الإنسان نجح في فهم شكل بيته الكوني رغم أنّه يعيش في داخله، محاطًا بالغبار والنجوم والعتمة. لقد حوّل العلماء مجرّة درب التبانة من شريط ضبابي يلمع في سماء الليل إلى خريطة شبه كاملة تكشف مركزها، وأذرعها، وموقع الشمس فيها. وهكذا لم يكن “تصوير” المجرة من الداخل مستحيلًا، بل كان تحديًا علميًا هائلًا حُلّ بالصبر، والتقنية، والقدرة على رؤية الكون بأكثر من عين واحدة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Laila sayed تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

4

متابعهم

2

مقالات مشابة
-