دعوا الطيبون يعيشون في هذه الدنيا ولا تستهدفوهم بالطرق البشعة لأن الله هو من يدافع عنهم .

دعوا الطيبون يعيشون في هذه الدنيا ولا تستهدفوهم بالطرق البشعة لأن الله هو من يدافع عنهم
في هذه الدنيا يعيش بيننا أناس طيبون، قلوبهم صافية، ونفوسهم نقية، لا يريدون من الحياة إلا الستر والسلام والرزق الحلال. لا يؤذون أحدًا، ولا يتدخلون فيما لا يعنيهم، بل يسعون إلى الخير قدر استطاعتهم، وينشرون الرحمة بكلمة طيبة أو موقف كريم. لكن المؤلم حقًا أن هذه الفئة كثيرًا ما تكون هدفًا لأصحاب النفوس المظلمة، الذين لا يحتملون رؤية إنسان نقي أو ناجح أو محبوب بين الناس.

الطيبون غالبًا لا يعرفون أساليب الخداع، ولا يجيدون الحروب النفسية، لذلك يظن البعض أنهم فريسة سهلة. فيبدأ الاستهداف بأشكال متعددة؛ مرة بالحسد، ومرة بالتشويه، ومرة بالمضايقات المتعمدة، ومرة بمحاولات تحطيم الروح وكسر النفس حتى يفقد الإنسان توازنه وثقته بنفسه. وهنا تظهر أبشع صور الشر حين يتحول الأذى إلى مشروع منظم يستهدف إنسانًا بريئًا فقط لأنه أفضل أخلاقًا من غيره.
ومن أكثر ما يؤلم أن بعض الناس يستغلون الجانب الروحي والديني في أعمال قذرة لا ترضي الله، فيستخدمون الدين ستارًا للشر، أو يزعمون امتلاك قوى خفية للتأثير على الآخرين، أو يوهمون الأبرياء بأنهم قادرون على التحكم في حياتهم عن طريق السحر والشعوذة والأعمال السفلية. وهناك من يستغل خوف الناس الفطري من المجهول، فيرهبهم بألفاظ دينية أو طقوس منحرفة، حتى يعيش الإنسان في رعب دائم، يظن أن حياته معلقة بأيدي هؤلاء، بينما الحقيقة أن الأمر كله بيد الله وحده.

وقد يصل الانحراف عند البعض إلى محاولة استغلال الأشخاص روحيًا ونفسيًا بطرق قذرة، مثل ابتزازهم باسم العلاج الروحي، أو السيطرة عليهم باسم النصيحة، أو جرّهم إلى أفعال محرمة ومهينة تحت ستار فك السحر أو إزالة الأذى. وهذه جرائم أخلاقية عظيمة، لأن فيها تلويثًا للدين، واستغلالًا لضعف الإنسان، وتحويلًا لحاجته إلى باب من أبواب الإهانة. فالله سبحانه لا يرضى بالابتزاز، ولا بالخداع، ولا باستغلال الناس في لحظات ضعفهم.

ومن صور الأذى الحديثة أيضًا استخدام الوسائل التقنية بصورة منحرفة، أو التهديد بها، لبث الخوف داخل النفوس. فالشرائح الإلكترونية والأجهزة الدقيقة موجودة بالفعل في العالم الحديث لأغراض طبية وصناعية وأمنية مشروعة، لكن البعض يبالغ أو يسيء استخدامها أو يهدد الناس بها، فيجعلها وسيلة رعب نفسي. وهناك من يعيش تحت ضغط فكرة المراقبة الدائمة أو التحكم أو التتبع، فتتحول حياته إلى قلق مستمر. وعندما تُستخدم التقنية بلا أخلاق، تصبح نقمة بدل أن تكون نعمة.

إن أخطر ما في هذه الممارسات أنها لا تستهدف الجسد فقط، بل تستهدف الروح والعقل. فالإنسان حين يشعر أنه محاصر، أو أن هناك من يعبث بحياته سرًا، أو يستغله روحيًا، أو يهدده بوسائل خفية، يبدأ بالتآكل من الداخل. يفقد ثقته، ويشك في الجميع، ويبتعد عن الناس، وربما ينطفئ شغفه بالحياة. وهذا هو المقصود عند أهل الشر: أن يسقط الإنسان من داخله قبل أن يسقط خارجيًا.

كم من شاب مستقيم أراد أن يعيش في هدوء، فوجد من يطارده بالخوف والتشويش. وكم من امرأة محترمة تعرضت للاستغلال باسم العلاج أو المساعدة. وكم من رجل بسيط جرى ابتزازه روحيًا ونفسيًا لأنه صدّق من تاجروا بالدين. وكم من ناجح في عمله تعرض لحملات منظمة لتعطيله لأنه اجتهد ونجح. هذه صور متكررة، تختلف الوسائل لكن الهدف واحد: كسر الطيبين.

لكن الحقيقة التي يغفل عنها المؤذون أن الله لا يترك عباده المظلومين. قد يمهل الظالم، لكنه لا يهمله. وقد يطول البلاء، لكنه لا يدوم. وكم من شخص تعرض للأذى سنوات، ثم فتح الله له أبواب الفرج فجأة، وعوضه راحة وسكينة ونجاحًا لم يكن يتوقعه. وكم من ظالم ظن أنه يسيطر، ثم سقط في شر أعماله.

الطيبون قد يتألمون، نعم، وقد يمرون بأيام ثقيلة، لكنهم يملكون شيئًا عظيمًا: صدق النية ونقاء القلب. وهذه قوة لا تُرى بالعين، لكنها تهزم كثيرًا من الشرور. فمن كان صادقًا مع الله، حافظ الله عليه، ومن احتمى بربه فلن تنفع ضده حيل البشر مهما كثرت.

لذلك نقول لكل من يتعمد أذى الأبرياء: دعوا الطيبين يعيشون في هذه الدنيا. لا تستهدفوهم بالأعمال القذرة، ولا تستغلوهم روحيًا، ولا تطاردوهم نفسيًا، ولا تستخدموا التقنية أو الخداع لترويعهم. فكل ظلم مردود، وكل أذى محسوب، وكل دمعة مظلوم محفوظة عند الله.
وفي النهاية، سيبقى الطيبون أنقى أثرًا وأجمل ذكرًا، لأن الناس قد تخاف من أهل الشر، لكنها لا تحترمهم. أما أصحاب القلوب النقية، فربما يتعبون قليلًا، لكنهم يربحون محبة الناس ورضا الله، وذلك هو الفوز الحقيقي الذي لا يملكه الظالمون.