( كأنِّي أراكَ الآن! )
كأنِّي أراكَ الآن!
أشعرُ بِك!
أبكي معك!
أرى أمواجاً كالجبال في رأسِك تَهِيج كلَّما أرخى عليكَ الليلُ سُدولَه، وقد أحكَمَ وِثَاقك بحباله الدَّاكنة، فلا تقدر على الحركة إلا تَقَلُّباً، تقلُّبَ مضطرب، تماماً كهذه النَّفس التي بين جنبيك.
تبكي على نفسِك، على أحوالك وأحلامك، تقول من أين؟! وإلى أين ؟!، فينقضي ليلك ـ وما أطوله ـ بين فِكرةٍ وعَبرَةٍ، إذا انتهيت من واحدة ألقَتْ عليك الأخرى شِبَاكها.
صِرتَ تلومُ نفسَك على جبرِ خواطر قومٍ تَنَكَّروا لها بعد ما أفنيتَ في ذلك عُمراً، تلوم نفسك على وُقُوفِك راسخاً ليستندوا عليك، ويقذفون بأحمالهم وأثقالهم على رأسك!، فاستراحوا وتَعِبت، وفرحوا وحزنت، وتَعَافوا وتألَّمت، وسار كلُّ واحدٍ منهم في طريقه ينشُد ضَالَّتَه، وبقيت في مكانك وحدك!.
أظُنُّكَ الآن لست في ريبةٍ من رؤيتي لك، وشعوري بك، وقد وصفتُ حالَك فاستمع لمقالي:

غداً سترى الشمس ترمي بسهامٍ ملتهبةٍ تهتك بها أستار ليلٍ مستبدٍّ طال عليك انتظاره، سيأتون إليك يتودَّدون، كأنهم يعتذرون، لكنَّ نفوسهم تأبى الاعتذار، لكن دعك من هذا كله ولا تفكر في هذا العبث مرة أخرى، صحِّح وُجهتك، فلا تنشغل إلا بواحد! ولا ترجوا إلا واحداً، إنه " الله " جلَّ جلاله وتقدست أسماؤه.
كنتَ ترغبُ في أن تجد أحداً يشعر بك ويفهمك، وها قد فعلتُ، ورُغم ذلك فأنتَ عندي مُلام، لماذا تُطِيل ليلك ولا تنام؟! ألم تقرأ قوله سبحانه: " لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ "، كأنه يقول لك: نَمْ أنتَ واطمئن فأنا لا أنام، أُدَبِّرُ لك الأمر.
كيف لا تزال قلقاً مضطرباً وأنت تقرأ قوله سبحانه: " أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ " ؟!!
أما زلت تحتاج هؤلاء أو غيرهم ليسألوا عنك، ويخفِّفوا ما بك من ألم وأنت تقرأ قوله سبحانه: " أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ " ؟!!
وقفتَ مع الناس وتحمَّلتَ عنهم وجبرتهم، لكنك قصرت في نفسك، وفرطت فيما بينك وبين " الله "، وبعد تفريطك وإسرافك ينادي عليك فيقول: " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ".
من أراد هجرك فأعنه على هجرانك، ولا تلتفت! قم فأصلح ما فسد بينك وبين " حبيبك "، وإياك أن تنسى أنه " الله "، ففي يوم قريب جداً ستقف بين يديه وحدك، وتُحَاسَبُ وحدك، ولن يُنَجِّيك من أهوال الدنيا والآخرة إلا هو.
دعني يا صديقي أُخَاطِب روحك المسكينة هذه؛ عَلَّها تهدأ وتسكن قليلاً، لا لشيء غير أنها وجدت من يُفكِّر في عذاباتها وتقلُّباتها، فمن لم يجد لنفسه قيمة عند صاحبه لا يُعَوِّلُ عليه!
إنَّ المرء إذا صفا فكره، نظر إلى روحه مُقبلاً عليها، مفككاً أغلالها، محرراً لها من تلك القيود، قيود الغفلة والشهوات واتِّبَاع الملذَّات!
أمرها عجب ، بل أعجب من العجب ، أتدري لماذا؟! لأنك لو وضعتها في مكانتها وعرفت قيمتها ، لوجدتها آخذة بيدك فتطوف بك مع الملائكة حول العرش .
دعها في حضرة ربِّهَا، هيئ لها أسباب الخلوة، قُم بعزلها عن النَّاس قليلاً وإن كانت بينهم، سترى الناس في وادٍ وهْيَ في وادٍ آخر، لا يصل إليها ضجيجهم، ليست مشتَّتة بين قيل وقال، وكثرة السؤال، هي يا صديقي في عالم آخر، في العَالَم الذي خُلِقَت لترتع فيه!