بناء الثروة بين الفكر الثقافي وهز الوسط

بناء الثروة بين الفكر الثقافي وهز الوسط

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

بين المحتوى "الشيق" وعصر "الهيافة": لماذا يربح الرقص ويخسر القلم؟

بقلم: جميل حماد

​في زمنٍ مضى، كان المقال "الشيق" هو الذي يحبس الأنفاس، يثير الفضول، ويجعل القارئ يشتاق للكلمة التالية ليتعلم منها أو يغير بها حياته. كانت الكلمة تُوزن بميزان الذهب، وكان كاتب المقال يبحث بين السطور عن "الحكمة" ليقدمها للقارئ في طبق من ذهب. أما اليوم، ونحن نعيش في ذروة العصر الرقمي، يبدو أن الموازين قد انقلبت تماماً، وأصبحنا أمام واقع مرير يفرض نفسه بقوة: "المحتوى الشيق والمفيد بيموت.. والتافه هو اللي بيعيش ويغنى!".

المحتوى "الشيق" في غيابة الجُب

​المحتوى الشيق هو ذلك العمل الذي كُتب بعرق الجبين، استند إلى معلومة موثقة، وفكرٍ رصين، وأسلوب جذاب يحترم ذكاء القارئ. هو المحتوى الذي يخاطب "عقل" القارئ، يحاول أن يرفع من وعيه، ويقدم له قيمة مضافة تنفعه في دينه أو دنياه أو ثقافته. لكن الصدمة الحقيقية هي أن هذا المحتوى أصبح اليوم يعيش في "عزلة" إجبارية، تمر عليه الأعين مرور الكرام، لا "إعجاب" يرفعه، ولا "مشاركة" تدعمه، وكأن الجمهور المعاصر أصبح يخشى كل ما يجبره على "التفكير" أو المواجهة مع الذات، مفضلاً الهروب إلى عوالم التسطيح واللامبالاة.

وداعاً زمن القراءة.. عصر "العين الفارغة"

​الحقيقة المرة هي أن الناس فعلاً بعدت عن زمن القراءة والثقافة، ولم يعد الكتاب أو المقال الرصين هو الرفيق. أصبح كل ما يشغل بال الناس هو "اللقطة" السريعة والصورة البراقة التي لا تحمل فكراً. نحن نعيش عصر "المشاهدة" لا "القراءة"، حيث استبدل الناس متعة غرس الفكرة في العقل بمتعة تضييع الوقت في التمرير اللانهائي على الشاشات. هذا الهروب من القراءة أدى إلى ضحالة في الفكر وجفاف في الخيال، فأصبحنا نرى أجيالاً تستهلك كل شيء ولا تفهم أي شيء، تبحث عن "التريند" وتنسى "الأصل".

المأساة المالية: لماذا يربح "الهز" ويخسر "الفكر"؟

​المفارقة المضحكة المبكية هي أن "فيديو" لثوانٍ معدودة يعتمد على "حركة ساذجة" أو "أغنية هابطة" أو "رقص مبتذل"، كفيل بأن يقلب موازين الثروة لصاحبه في ليلة وضحاها. نحن أمام اقتصاد رقمي مقلوب؛ حيث تلهث شركات الإعلانات خلف "التافه" لأنه يجمع حوله "القطيع" الذي لا يريد أن يتعب عقله، بل يريد أن يستهلك وقته فقط في الترفيه الرخيص. في المقابل، يجد الكاتب المثقف في منصات كـ "أموالي" وغيرها، أنه يبذل مجهوداً ذهنياً جباراً لسنوات، ومع ذلك يجد أن العائد المادي يكاد يكون منعدماً، مما يضع مستقبل الوعي العربي في خطر حقيقي.

المنصات الثقافية.. الصمود في وجه "المسخ الرقمي"image about بناء الثروة بين الفكر الثقافي وهز الوسط

​المنصات التي تفتح أبوابها للكتّاب والمفكرين هي "الرئة" الأخيرة التي يتنفس منها الوعي، لكنها تواجه حرباً غير متكافئة ضد "ثقافة الـ 15 ثانية" و"العناوين الصفراء". الكاتب اليوم يشعر

 بالغربة، كأنه يبيع "الكتب والقيم" في سوقٍ صاخب لبيع "الطبل والمزامير". هذا التهميش المتعمد للمحتوى الشيق والمحترم هو جريمة في حق الأجيال القادمة، التي ستنشأ وهي لا تعرف من الثقافة إلا "التريندات" التافهة التي تتبخر في ثوانٍ ولا تترك أثراً في بناء الشخصية أو تطوير المجتمع.

هل من مخرج؟ أم نعتزل الكتابة؟

​نحن أمام مشكلة بنيوية، والحل يحتاج لوعي حقيقي من أطراف عدة، وعلى رأسهم القارئ الذي هو "الممول" الحقيقي للفكر بضغطة زر. عندما تمر بمحتوى تافه، لا تتفاعل معه حتى بالهجوم، لأن تفاعلك هو الذي يمنحه المال والشهرة. وفي المقابل، عندما تجد مقالاً شيقاً ومحترماً لكاتب مجتهد، شاركه، علق عليه، وادعمه ليبقى صامداً في وجه هذه العاصفة. الحل بالنسبة للكاتب ليس في الاستسلام أو التقليد الأعمى للتفاهة لجني المال، بل في الصمود والتمسك برسالة القلم السامية مهما كانت التحديات المادية.

كلمة أخيرة لكل صاحب قلم حرimage about بناء الثروة بين الفكر الثقافي وهز الوسط

​يا أصحاب الأقلام في "أموالي" وكل مكان، استمروا في تقديم "المحتوى الشيق"، فالعقول الجائعة للمعرفة ستصل إليكم ولو بعد حين. نحن لا نكتب من أجل "اللايك" فقط، بل نكتب لنبني إنساناً، ولنترك أثراً، ولنحمي لغتنا وفكرنا من الانهيار التام. إن القيمة الحقيقية للمقال تكمن في قدرته على تغيير فكرة أو تحسين حياة، وهذا ما لا تملكه كل فيديوهات الرقص والتهريج في العالم. فثمن الوعي لا يُقدر بمال، والذهب يظل ذهباً وإن غطاه غبار الزمان وتراكم عليه ركام التفاهة الرقمية.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
جميل حماد تقييم 5 من 5.
المقالات

30

متابعهم

58

متابعهم

162

مقالات مشابة
-