الإنسان المصري المعاصر  بين جذور الروح وإغراء الصورة

الإنسان المصري المعاصر بين جذور الروح وإغراء الصورة

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات
image about الإنسان المصري المعاصر  بين جذور الروح وإغراء الصورة

حين تتشقق المرايا

لا يعيش المصري اليوم ازدواجية عارضة بين الأصالة والحداثة — بل انقساماً بنيوياً يصنعه بيده كل يوم، ثم يتهرب من مسؤوليته بكلمة القدر.!!

في عام 2023، أكد 94% من المصريين أن الدين مهم جداً في حياتهم وفق مركز بيو للأبحاث، وهي من أعلى النسب عالمياً. وفي العام ذاته، سجّل المستخدمون المصريون معدلات استهلاك لافتة لمحتوى إشكالي عبر الإنترنت. الرقمان لا يتناقضان بل يرسمان معاً صورة مجتمع يعيش في طبقتين: طبقة التصريح، وطبقة الممارسة.

 

الهوية ليست ما تقوله عن نفسك، بل ما تفعله حين لا يراك أحد.

الإنسان المصري لم يكن وليد ثقافة واحدة قط. هو تراكم حضاري من ثلاثة آلاف سنة: الفرعونية علّمته تقديس الجماعة والانتماء للأرض، والمسيحية زرعت فيه الرحمة والشعور بالمسؤولية، ثم الإسلام أعاد تنظيم كل شيء من الطعام إلى الفلك. هذا التراكم لم يكن تضارباً يوماً، بل كان طبقات تصنع عمقاً حقيقياً. أما اليوم فثمة طبقة رابعة تضاف بعنف: الرقمي الغربي الذي لا يأتي بقيم فحسب بل بهويات جاهزة يمكن ارتداؤها وخلعها مثل قميص.

 

الازدواجية استراتيجية لا ضعفاً

الخطأ الشائع وصف الازدواجية بالتشوه الأخلاقي. الأدق أنها استراتيجية تكيفية نشأت حين فرض النظام على الفرد واجهة رسمية وترك له هامشاً خاصاً، فتعلّم الفرد إدارة الواجهتين بكفاءة. حين يمتد هذا التكيف عقوداً يصبح شخصية لا يدرك أصحابها أنها مكتسبة.

ملاحظة منهجية  ما يُسمى "ازدواجية المصري" موثق في نظرية Erving Goffman عن إدارة الانطباعات — سلوك إنساني عام يتضخم في المجتمعات ذات الرقابة الاجتماعية العالية، لا خاصية حصرية بشعب بعينه

 

الخلل في البنية لا في الشخصية

لو كان الخلل في الشخصية المصرية لظهر في فئات محددة. لكنه يمتد عبر كل الطبقات والمستويات التعليمية والاقتصادية، وهذا يشير إلى عطب بنيوي لا فردي. ثلاثة أعمدة تآكلت معاً: مدرسة تحوّلت إلى آلة شهادات، ومسجد يخاطب عاطفة الخوف لا عقل التفكير، وأسرة انشغلت بلقمة العيش عن بناء الإنسان. في هذا الفراغ ملأت الشاشة مكانها، لكنها لا تربّي بل تُدمن. والفرق بين التربية والإدمان هو الفرق بين من يمنحك أدوات الاختيار ومن يختار عنك بطريقة تُشعرك أنك أنت من اختار.

المشكله ليست في الإرادة بل في التصميم — وهذا الفارق يقلب كل حكم أخلاقي سطحي رأساً على عقب

.

لا هوية بلا ثمن

الهوية الحقيقية لا تُورث ولا تُستورد، تُبنى في لحظات الاختيار الصعب حين تتعارض القيم مع المصلحة. المصري القادر على أن يكون ابن عصره دون أن يخسر روحه موجود، لكنه يحتاج ما لا تعلّمه أي مؤسسة رسمية: الشجاعة على التناقض الواعي، أي أن تعرف ما تأخذه من الآخر وتسمّيه بوضوح، لا أن تأخذه سراً وتنكره علناً. المسألة في نهايتها ليست بين شرق وغرب ولا بين أصالة وحداثة — هذه ثنائيات مريحة تعفينا من السؤال الحقيقي: ماذا أريد أن أكون؟ وكم أنا مستعد أن أدفع ثمن ذلك؟.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Baligh Hamdy Salama تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

5

متابعهم

3

مقالات مشابة
-