إيض يناير: حين يحتفل المغاربة بجذورهم الأمازيغية العريقة

السنة الأمازيغية: احتفال بالهوية والتاريخ المتجذر في عمق المغرب
تُعدّ السنة الأمازيغية، المعروفة باسم إيض يناير، واحدة من أقدم المناسبات التاريخية والثقافية في شمال إفريقيا، حيث يحتفل بها الأمازيغ في المغرب وعدد من بلدان المنطقة يوم 13 يناير من كل سنة ميلادية. ولا يُعتبر هذا الحدث مجرد انتقال من سنة إلى أخرى، بل هو تعبير عميق عن هوية حضارية ضاربة في القدم، وعن ارتباط الإنسان الأمازيغي بالأرض والزراعة والطبيعة.
يرجع التقويم الأمازيغي إلى أكثر من 2976 سنة، إذ يرتبط حسب العديد من الباحثين بانتصار الملك الأمازيغي شيشنق الأول على الفراعنة وتوليه حكم مصر سنة 950 قبل الميلاد. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا الحدث مرجعًا زمنيًا يرمز إلى القوة والاستقلال والاعتزاز بالذات الأمازيغية. ومع مرور الزمن، اكتسب إيض يناير طابعًا فلاحيًا واجتماعيًا يعكس نمط عيش الأمازيغ القائم على الزراعة والتعاون الجماعي.
في المغرب، تحتل السنة الأمازيغية مكانة خاصة، خاصة بعد الاعتراف الرسمي بها عيدًا وطنيًا وعطلة رسمية، وهو قرار يُجسّد الاعتراف بالدور التاريخي والثقافي للأمازيغ في بناء الهوية المغربية المتعددة الروافد. هذا الاعتراف لم يكن فقط إجراءً إداريًا، بل خطوة رمزية قوية تعزز قيم التعدد والانفتاح والإنصاف الثقافي.
تتميز احتفالات إيض يناير بطقوس وعادات تختلف من منطقة إلى أخرى، لكنها تشترك في رمزية واحدة: التفاؤل بسنة فلاحية جيدة. ففي القرى والمناطق الجبلية، تُحضَّر أطباق تقليدية خاصة بهذه المناسبة مثل الكسكس بسبع خضر، أو تاكلا (عصيدة من الدقيق)، حيث ترمز كثرة المكونات إلى الوفرة والخير. كما تُقام تجمعات عائلية واحتفالات شعبية تتخللها الأهازيج والرقصات الأمازيغية كـأحواش وأحيدوس.
ولا تقتصر السنة الأمازيغية على الجانب الاحتفالي فقط، بل تحمل بعدًا ثقافيًا وتربويًا مهمًا. فهي مناسبة لاستحضار القيم الأمازيغية الأصيلة مثل التضامن، احترام الأرض، تقاسم الخيرات، والعيش في انسجام مع الطبيعة. كما تُعد فرصة لتعريف الأجيال الصاعدة بتاريخهم وهويتهم، وتعزيز الشعور بالانتماء والفخر بالجذور الحضارية.
في السنوات الأخيرة، أصبحت السنة الأمازيغية تحظى باهتمام متزايد من طرف المؤسسات الثقافية والجمعيات، حيث تُنظم ندوات فكرية، معارض فنية، أمسيات شعرية، وعروض موسيقية تُبرز غنى الثقافة الأمازيغية وتنوع تعبيراتها. كما ساهم الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر الوعي بأهمية هذا الحدث، وتحويله إلى لحظة وطنية جا
وتكتسب السنة الأمازيغية بعدًا رمزيًا قويًا يتجاوز الطقوس والعادات، لتُصبح مناسبة للتأمل في علاقة الإنسان بالأرض والزمن. فالتقويم الأمازيغي، الذي يعتمد أساسًا على الدورة الفلاحية، يعكس حكمة الأجداد في فهم الطبيعة وتنظيم الحياة اليومية وفق إيقاعها. هذا الارتباط الوثيق بالأرض جعل من إيض يناير لحظة أمل وتفاؤل، حيث يتفاءل الفلاحون بسنة زراعية خصبة مليئة بالخيرات.
ومن أبرز ما يميز هذه المناسبة هو البعد الجماعي للاحتفال، إذ تُجسّد روح التضامن والتكافل الاجتماعي داخل الأسر والقبائل. ففي هذه الليلة، تُكسر العزلة، وتُقوّى الروابط العائلية من خلال التجمع حول مائدة واحدة، وتقاسم الطعام والفرح. كما تُخصَّص عناية خاصة للأطفال، حيث تُقدَّم لهم الهدايا الرمزية أو المكسرات، في إشارة إلى تمني سنة مليئة بالخير والنماء.
كما تُعد السنة الأمازيغية فرصة لإحياء الذاكرة الشفوية، من خلال تناقل الحكايات الشعبية والأمثال الأمازيغية التي تحمل حكمًا وتجارب إنسانية عميقة. هذه القصص ليست مجرد تسلية، بل وسيلة للحفاظ على اللغة الأمازيغية ونقلها للأجيال الجديدة، في ظل التحديات التي تواجه اللغات والثقافات المحلية في عصر العولمة.
إضافة إلى ذلك، أصبح إيض يناير اليوم منصة للتعبير الثقافي والفني، حيث تُنظَّم مهرجانات ومعارض تُبرز الحرف التقليدية، واللباس الأمازيغي، والموسيقى الأصيلة. هذه الأنشطة لا تساهم فقط في الحفاظ على التراث، بل تفتح آفاقًا للتنمية الثقافية والسياحية، وتُعزّز مكانة الثقافة الأمازيغية داخل المشهد الوطني.
وبهذا، تظل السنة الأمازيغية مناسبة جامعة، تُذكّر المغاربة بأهمية الاعتزاز بجذورهم المتنوعة، وبأن التنوع الثقافي يشكّل مصدر قوة وغنى للمجتمع المغربي.