رفقاء الدرب… بين صناعة النجاح وصياغة الانحراف
رفقاء الدرب… بين صناعة النجاح وصياغة الانحراف

تتناول هذه المقالة تأثير الأصدقاء في تشكيل شخصية الفرد وسلوكه، موضحةً كيف يمكن للصداقة أن تكون قوة دافعة نحو النجاح والتميز، أو سببًا في الانحراف والتراجع. كما تستعرض العوامل التي تجعل الصداقة إيجابية أو سلبية، وتقدم إرشادات عملية لاختيار الرفقة الصالحة.
تُعدّ الصداقة من أهم العلاقات الإنسانية التي تؤثر بعمق في حياة الفرد، فهي ليست مجرد علاقة عابرة، بل رابطة تقوم على المشاركة والتأثير المتبادل. ويكاد لا يخلو إنسان من دائرة أصدقاء يتقاسم معهم الاهتمامات والأفكار والمواقف اليومية. غير أن هذا التأثير قد يكون إيجابيًا يدفع الإنسان نحو التطور والنجاح، وقد يكون سلبيًا يقوده إلى التراجع والانحراف.
في الجانب الإيجابي، يلعب الأصدقاء دورًا كبيرًا في تعزيز الثقة بالنفس وتنمية الطموح. فالصديق الداعم يشجع صديقه على تحقيق أهدافه، ويحفزه على المثابرة في أوقات الفشل، ويقدم له النصح الصادق عند الخطأ. وجود مثل هذا الصديق يخلق بيئة صحية للنمو النفسي والاجتماعي، حيث يشعر الفرد بالأمان والانتماء. كما أن الأصدقاء الإيجابيين غالبًا ما يتبادلون الأفكار البنّاءة، ويشتركون في أنشطة مفيدة، مما ينعكس على سلوكهم وأسلوب حياتهم بشكل عام. فالطالب الذي يحيط نفسه بأصدقاء مجتهدين، على سبيل المثال، يميل إلى الالتزام والمثابرة، بينما الموظف الذي يصادق أشخاصًا طموحين يتأثر بروحهم العملية ويسعى إلى تطوير ذاته.
أما التأثير السلبي للأصدقاء فيظهر عندما تكون العلاقة قائمة على سلوكيات خاطئة أو قيم منحرفة. فالصديق غير الصالح قد يدفع صديقه إلى إهمال دراسته، أو الانجراف نحو عادات ضارة، أو اتخاذ قرارات متهورة. ويرجع ذلك إلى رغبة الفرد في القبول الاجتماعي والخوف من العزلة، مما يجعله أحيانًا يتخلى عن قناعاته لإرضاء الآخرين. ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه التأثيرات الصغيرة إلى تغييرات كبيرة في الشخصية والسلوك، يصعب تصحيحها لاحقًا، لانها قد تصبح عادة يصعب التخلص منها بعد ذلك.
ومن المهم أن ندرك أن التأثير بين الأصدقاء ليس أحادي الاتجاه، بل هو عملية متبادلة. فكما يتأثر الفرد بأصدقائه، فإنه يؤثر فيهم أيضًا. لذلك فإن اختيار الصديق لا ينبغي أن يكون عشوائيًا، بل قائمًا على أسس واضحة مثل الأخلاق الحسنة، والصدق، والاحترام المتبادل. كما يجب أن يتمتع الإنسان بالقدرة على قول "لا" عند الضرورة، وألا يسمح لضغوط المجموعة بأن تفرض عليه ما يخالف مبادئه.
وفي الختام، يمكن القول إن الأصدقاء هم مرآة تعكس جوانب من شخصيتنا، وهم في الوقت ذاته قوة قادرة على توجيه مسار حياتنا. فإذا أحسنّا اختيارهم، كانوا عونًا لنا على النجاح والتقدم، وإن أسأنا الاختيار، فقد يكونون سببًا في التعثر والانحراف. ومن هنا تتجلى أهمية الوعي في بناء علاقات قائمة على القيم الإيجابية، لأن الصديق الحقيقي هو من يأخذ بيد صديقه نحو الخير، لا من يدفعه إلى الطريق الخطأ.