مقالات اخري بواسطة Rasha Ahmed
"تجليات الثقافة الاستهلاكية على المرأة"

"تجليات الثقافة الاستهلاكية على المرأة"

4 المراجعات

غيرت منصات التواصل الاجتماعي مثل “فيس بوك” و”انستغرام” و”يوتيوب” الطرق التقليدية التي كانت تعتمد عليها المرأة في شراء لوازمها الأساسية والكمالية، بما منحته لها من سرعة الوصول للمنتج واتخاذ القرار الشرائي بشكل أسرع . وبدأت المتاجر الالكترونية  والشركات الكبرى تزدهر وتتوسع وتنمو على حساب استغلال دوافع المرأة الشرائية وإدمانها للسلع واقتناء الأشياء. الأمر الذي أدى إلى انتشار الكثير من النتائج الخطيرة المدمرة للصحة النفسية للمرأة انعكس بذلك على الحياة الاجتماعية للنساء عموماً.

image about

ولاشك أن هذه المتاجر الالكترونية تتغذى على فكرة عولمة الثقافة الاستهلاكية فالسلع المعروضة متاحة في كل الدول من مأكل وملبس وكلها موحدة المصدر، تمنح تلك السلع دلالات اجتماعية تتجاوز قيمتها المادية المحسوسة. فعلى سبيل المثال إذا اقتنت إحداهن ملابس من "زارا" وتناولت قهوتها من "ستاربكس" فهذا يعني أنها من طبقة الأغنياء، ولعل أبرز تجليات ثقافة الاستهلاك لدى المرأة هي: 

          - أولاً: تسليع الذات

أصبحت المرأة العربية تقرن نظرتها لذاتها وثقتها بنفسها، بامتلاك الأشياء فمعظم السيدات تجدهن على موقع التواصل الاجتماعي يتباهين باستعراض غرف ملابسهن "Dressing room" وماتحتويه من مقتنيات باهظة الثمن من الملابس والحقائب و النظارات الشمسية التي تتجاوز أسعارها آلاف الدولارات وكذلك الساعات والمجوهرات .

وعلى سبيل المثال بات اقتناء منتجات أبل جزءاً من الصورة النمطية للفتاة العصرية، وهو ما يدفع الملايين إلى اقتنائها من أجل التأقلم مع هذه الصورة والمحافظة على التقدير الذاتي.

وفي دراسة قامت بها إحدى الباحثات على عينة من نساء جزائريات، حول أثر محتوى قنوات اليوتيوب على ثقافة الإستهلاك لدى المرأة الجزائرية، استنتجت أن أغلب النساء تفضل اقتناء منتجات من ماركات عالمية  يجعلهن مميزات عن الآخرين وشراء هذه المنتجات ولو بأثمان باهظة  يظهر مكانتهن الإجتماعية . ومع كثرة المنتجات من سلع وخدمات، تم الترويج لأنماط معينة  من الاستهلاك تركز على الجانب الرمزي للسلعة  أكثر من جانبها للمادي. وتركز الاعلانات على هذا الجانب كأن نجد إعلانا لغسول الشعر الخاص بالنساء شعاره أن استعمال المرأة لهذا الغسول يجعلها تحصل على أن شعر يبرز قوة شخصيتها  وتميزها ويعزز ثقتها في نفسها(1).

و تعتقد "سوزان فورنير"، أستاذة وعميدة كلية الأعمال في "جامعة بوسطن" الأميركية، في أحد أشهر أبحاثها حول العلاقة بين المستهلك والعلامة التجارية أنه يمكن تصوُّر هذه العلاقة كمثلث، ضلعه الأول التعلُّق بالعلامة التجارية الناتج عن الحب والشغف والاتصال بها الذي يجعل المستهلك يشعر بالوحدة معها وبانتمائه إليها، وضلعه الثاني الرابط السلوكي تجاه العلامة التجارية من خلال الالتزام والاعتماد على العلامة التجارية، ويتمثَّل الضلع الثالث في المعتقدات الشخصية حول العلامة التجارية كالنظرة إلى جودة منتجاتها، وترى "سوزان" أن المشاعر الناتجة عن هذه الأضلاع الثلاثة قد تتفاوت في شدتها من المشاعر الخفيفة إلى القوية التي يمكن أن تصل بصاحبها إلى الإدمان(2)، ويؤيدها باحثون آخرون يؤكدون أن هذا النوع من العلاقة الشخصية بين العلامة التجارية والمستهلك يُنشِّط مكانا في دماغ الشخص هو المسؤول عن حدوث الإدمان، تماما كما يحدث في حالة إدمان الكحول والنيكوتين(3).

وقد تطورت فكرة تسليع الذات إلى التلاعب بصورة الجسد بمعنى وضع صورة مثالية للجسد تخضع للتقييم والمقارنة من خلال جراحات التجميل، و عمليات التخسيس، فارتبطت الصورة المثالية للمرأة بصور بلاستيكية كجسم منحوت، وأسنان ناصعة البياض، وشعر طويل مسترسل.

- ثانياً: اختلال موازين القيم

 يحدث ذلك عند فساد التصور والاعتقاد، فيذم الإنسان الآخرين بما ينبغي أن يمدحوا به ويمدحهم بما ينبغي أن يذموا به ، واليوم  تروج المرأة  للمتعة والجمال والرشاقةعلى أنها قيم ، بينما تعد النجمات والمطربات ومؤثرات السوشيال ميديا اللواتي يتصفن بالجمال الخارجي ويعتنقن فلسفة المتعة بدلاً من الانضباط والاجتهاد هن بمثابة القدوة لفتيات هذا الجيل.
 و الثقافة الاستهلاكية هي نتاج حتمي لعولمة القيم تلك القيم التي وضعها بل وعززها الرأسماليين والتجار ورجال الأعمال والمستثمرين لاستمرار عجلة الاستهلاك وبالتالي ضخ الأرباح و تكوين ثروات على حساب مقدرات وقيم الأخرين.

 - ثالثاً: اقتران الثقافة الاستهلاكية بالمشاعر السلبية

 في مشهد التسويق الالكتروني تختلف نوايا النساء - سواء كن مؤثرات أو من رواد منصات التواصل الاجتماعي لاسيما "الانستغرام " أو "الفيسبوك" من استعراض مشترياتهن المبالغ فيها، سواء كان بهدف تحصيل الأرباح  من المتاجر الالكترونية أو أصحاب المشاريع أو تقديم نصائح أو من أجل التباهي بأنماط حياتهن، لكنهن لايدركن حجم المشاعر السلبية التي تولد لدى الكثير من الفتيات والنساء من مرتادات هذه المنصات كمشاعر الاكتئاب والغيرة والحسد والنقمة على واقعهن الراهن.
وللأسف فهن يقارنن أنفسهن ومستوى معيشتهن بشخصيات لا يعرفن عنهن شيئاً غير صورهن، صور تكاد أن تكون هي الأخرى مزيفة، ويمكن لذلك أن يسبب نوعاً من عدم التوازن وعدم الرضا عن الذات، ومقارنات لا أساس لها من الصحة والمنطق.
وفي إحدى الدراسات التي نشرت، طُلب من الناس متابعة الأشخاص العاديين على انستغرام حفاظاً على صحتهم النفسية، لأن متابعة المؤثرين تضع توقعات غير اعتيادية لأهدافهم في الحياة، خصوصاً في ما يتعلق باللياقة البدنية والجمال، إذ تؤدي الخيبات المتكررة إلى آثار سلبية على النفسية وقد تؤدي إلى الاكتئاب، ولا تقتصر الآثار السلبية على الحالة النفسية للمتابعين بل تطال أيضاً المؤثرين الذين ترتبط حياتهم بعدد الإعجابات والمتابعين وهاجس الحفاظ عليه ما يحرمهم من الحياة الواقعية خارج إطار الانستغرام.

 

 

*نموذج ملهم ..  يغير مفهوم الاستهلاك لدى المرأة

ضمن هذا السياق أقدم لكن نموذج من إحدى المؤثرات التي كان لها تأثير إيجابي ومفيد على الثقافة الاستهلاكية لدى الإناث، بما قدمته من نصائح وأفكار عملية سواء على صفحتها الشخصية على الفيسبوك أو من خلال اللقاءات التلفزيونية والورش التي تقوم بها. وهي "سماء شريت Samaa Shoriet" التي تنصح الفتيات بالتسويق الذكي، وتوضح مفهوم التوفير، وإعادة تدوير الملابس المستعملة والحقائب، ونشر ثقافة بيع الملابس الفائضة والتبرع بثمنها. ويلتف حول أفكارها آلاف المتابعات من الفتيات وطالبات الجامعات لأنهم يستلهمن الكثير من نصائحها(4).

بعد أن تحدثت عن تجليات الثقافة الاستهلاكية لدى المرأة في ظل العالم الافتراضي، وجملة الآثار السلبية التي تؤثر بشكل مباشر على صحتها النفسية، وقيمها وأولوياتها، سأذكر بعض المفاهيم والقيم التي من شأنها أن تجعلنا نصمد في دوامة الاستهلاك منها:

1-      تعزيز المعاني السامية التي غرسها الإسلام  في نفوسنا والتي تحصننا من مغريات الدنيا ، هي أهم مانواجه به ثورة الاستهلاك، كالشكر والتماس النعم التي منها علينا الله عزوجل، بقوله:{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
2-      ربط السعادة بالرضا هو جوهر الاستمتاع بالحياة ، وإعلاء قيمة العمل فوق الشراء، وعدم الاحتفاء بما يقتنيه الإنسان وإنما بما ينتجه.
3-      التأكيد على قيمة التوسط والاعتدال، وتغيير النظرة للمال على أنه ليس وسيلة للمتعة فحسب إنما مصدر للأمان والادخار . قال تعالى: {وَالَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}.
ونصيحتي الأخيرة لك ياعزيزتي قبل اتخاذ قرار الشراء اسألي نفسك هذه الأسئلة:
1-      هل سأستخدمه؟
2-      هل أنا بحاجة لهذا المنتج حقاً؟
3-      هل يمكنني تأخير شرائه حتى أفكر جدياً؟
4-      هل يمكنني العثور عليه بدون ماركة؟
5-      هل سيتبقى لي مالاً لشراء أشياء أخرى؟
 
و اعلمي عزيزتي أن عقلك الباطن يقوم بدون علمك بتخزين المحتوى الاعلاني  الذي تشاهدينه ، ويحوله إلى أحاسيس وقرارات وتوجهات من الممكن أن تؤثر سلباً على جودة حياتك.

المراجع:

1- https://www.asjp.cerist.dz/en/article/165374

2-https://academic.oup.com/jcr/articleabstract/24/4/343/1797962?redirectedFrom=fulltext&login=false

3-https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/09537325.2021.19344386

4-https://www.facebook.com/samaa.lifestylist/
 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة

المقالات

2

متابعين

3

متابعهم

1

مقالات مشابة