أثر التنافس الاقتصادي الرأسمالي في توليد الأمراض النفسية
هل تنبع المعاناة النفسية للأفراد من اختلالات بيولوجية كامنة في تكوينهم العضوي، أم تسهم البنية الاقتصادية أيضا في تشكيلها؟ يتجاوز التحليل السيكولوجي والاجتماعي هنا حدود العيادة الطبية، ليضع البنية الاقتصادية الرأسمالية ذاتها موضع فحص، طارحا إشكالية مفادها أن الأنظمة القائمة على التنافس الاقتصادي قد تعمل حاضنة لتفريخ العصاب وبعض الانحرافات السلوكية.
ولفهم هذه التصدعات النفسية، يتطلب الأمر تفكيك البنية التحتية للمجتمع الحديث، وهو ما يُعرف بـ"المجتمع الاقتنائي" أو التحاسدي. تضرب هذه المفاهيم بجذورها في التحولات التي أحدثتها الثورة الصناعية والنظم الرأسمالية، حيث تحولت الغاية من العيش المشترك، وفق هذا الطرح، إلى سباق نجاة مستمر. وفي هذا النمط الاجتماعي يصبح دافع السلوك البشري محكوما بهاجس تنازع البقاء، مما يولّد حالة من الخوف والقلق من المستقبل.
يؤدي هذا القلق الاقتصادي إلى تحويل العلاقات الإنسانية إلى حلبة صراع، حيث ينظر الفرد إلى نجاح الآخرين تهديدا لوجوده ومكانته. وتتجلى هذه الديناميكية التنافسية في أبكر مراحل التنشئة؛ فالطفل في المدرسة يخشى الفشل الأكاديمي، وتنمو لديه مشاعر الغيرة تجاه أقرانه المتفوقين. وتُرسّخ هذه البيئة التنافسية قناعة ذهنية تربط البقاء بالتفوق على الآخر، وتؤسس لحالة من الخوف المستمر تُعد من العوامل المؤدية إلى الأمراض النفسية.
وتتخذ الضغوط الاقتصادية شكل معتقدات تضغط على الجهاز العصبي للأفراد. فيتحول السعي نحو الثراء والوجاهة والسيطرة إلى ما يُشبه "إنجيل النجاح"، وهو دافع قسري يُحيل الحياة إلى مجهود مضنٍ يُنهك الصحة الجسدية والنفسية معا. وتحت وطأة هذا النظام، يعتقد الأفراد أن مشاعر الحسد والغيرة والتسلط والجشع سمات طبيعية في النفس البشرية، بينما هي في الواقع، وفق هذا الطرح، أقرب إلى استجابات نفسية نشأت من الممارسة الاقتنائية والمنافسة التي يفرضها المجتمع. وتُساق النماذج المجتمعية الغربية الموغلة في الرأسمالية دليلا على هذا التشخيص؛ إذ تترافق معدلات الإيمان العميق بمذهب الاقتناء والمنافسة مع معدلات مرتفعة من الاضطرابات النفسية التي تفيض بها المستشفيات نتيجة أسلوب حياة قائم على التحاسد
.
وتتجلى هذه الإشكالية في نموذج "اقتصاد العمل الحر" (Gig Economy) المعاصر، وفي بيئات العمل في شركات التكنولوجيا الكبرى، إذ يُخضع هذا النظام العاملين لتقييمات خوارزمية مستمرة وتنافسية لضمان البقاء الوظيفي، مما قد يولّد ظاهرة "الاحتراق الوظيفي" (Burnout). يعيش العامل هنا حالة استنفار دائم (Hyper-arousal)، وقد يُترجَم التهديد الاقتصادي بفقدان التقييم أو الوظيفة إلى نوبات قلق واكتئاب. ويجسّد هذا التطبيق المعاصر، وفق هذا الطرح، الصلة بين البنية الاقتصادية التنافسية وبين بعض الاضطرابات النفسية والعصبية التي قد تصيب الفرد.
وعند البحث في الجذور المسببة للأمراض النفسية، يبرز اختلاف منهجي بين مدرستين في التحليل النفسي. فيقدّم سيغموند فرويد مقاربة تُرجع الأمراض النفسية، كالعصاب والذهان، إلى كبت الدوافع الغريزية، وتحديدا الصراعات الجنسية الكامنة في اللاوعي منذ الطفولة، كعقدة أوديب. وفي المقابل، تطرح مدرسة علم النفس الفردي بقيادة ألفرد أدلر مقاربة مغايرة، تنقل مركز التفسير من البيولوجيا إلى السوسيولوجيا والاقتصاد؛ إذ يرى أدلر أن "مركب النقص" والاضطرابات العصابية قد تكون إفرازا للاختلالات الاجتماعية والاقتصادية. وبناء على ذلك، اتخذ أدلر موقفا ذا طابع اشتراكي، مجادلا بأن توفير العمل العادل والكسب الآمن لجميع الأفراد شرط ضروري لتخفيف الشقاء النفسي. ووفقا للمقاربة الأدلرية، قد يظل علاج الفرد داخل العيادة محدود الأثر إذا عاد للاشتباك مع مجتمع يفرض عليه منافسة حادة ولا يؤمّنه من الفقر والبطالة. وتمثّل هاتان المقاربتان، الفرويدية التي تُرجع الاضطراب إلى الصراعات الغريزية الداخلية، والأدلرية التي تربطه بالسياق الاجتماعي والاقتصادي، مسارين مختلفين في تفسير أصل الاضطراب النفسي، لكل منهما إطاره التفسيري الخاص وأساسه في تاريخ التحليل النفسي.

#علم_النفس_الاجتماعي #ألفرد_أدلر